الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين

ألوان متحدة من أجل فلسطين

أخذ الجلاد بعنُقها وهو يجرُّها على درب الآلام؛ دافعاً إياها نحو المحطة الأخيرة التي أعدَّها وشركاءَه لها، وقد أنذر وتوعَّد كلَّ مَن تُسوّل له نفسُه أن يتساءل عن حقوق هذه المسكينة، فضلاً عن أن يمدَّ يده لمساعدتها.

لم يكتفِ الجلاد بذلك، بل يريد أن يُكرِهَ أبناءَها على حمل صليبها، وأن ينسُجوا بأيديهم أمراسَ الكتان ليقيِّدوا أيديَها وأرجلها، ويدقُّوا بأنفسِهم المساميرَ في لحمها وعظمها؛ وأن يراقبوا بصمتٍ موتَها ونهايتها، ثم يكونوا بعد ذلك شهوداً على عدالة الحكم الذي أصدره الجلاد بحقها، وأن يدفعوا فوق ذلك ثمنَ نعشها!

هذه هي حال القدس وفلسطين وأبنائها البسطاء الكادحين مع “صفقة القرن”، ومع ما سبقها وما سوف يليها من مشاريع “التسوية”، فكيف هي حال المتابعين على مستوى العالم؟!

لن أتحدث هنا عن كلِّ أصناف المتابعين، ولكني سأكتفي برَصْد صورتين، كلُّ صورةٍ منهما تعبِّر عن موقف، وكلُّ واحد من هذين الموقفين يمثل أنموذجاً مختلفاً عن الآخر.

الصورة الأولى:

أرى في الصورة الأولى بعضاً من أولي العلم وأرباب الدِّين وأصحاب الأقلام والكتَّاب والمثقفين والخبراء والمحلِّلين الاستراتيجيين، الذين انحازوا إلى التبرير، واتخذوا من علمهم وإنسانيتهم مطيَّةً للظالم، وتحوَّلوا إلى شهود زُور لصالح المستكبر، فجاؤوا بالإفك وكان الظنُّ بهم أنَّهم عُصبةٌ منَّا، ولا حاجةَ لتسمية بعضهم، فالأمثلةُ أكثر من أن تُحصى.

يرى هؤلاء في “تسوية” القضية الفلسطينية فرصةً كبرى للاستقرار، ومجالاً رحباً للتنمية، وسبيلاً إلى إقامة أسواق جديدة، وترى بعضَهم يؤكد أن البراغماتية والواقعية والعقل يقتضي العمل لإنجاز تلك التسوية، وتلك طامَّةٌ كبيرة أن يبرِّروا سعيَهم بتلك المبادئ، ولكنَّ الطامَّة الكبرى في نظرائهم وشركائهم، الذين يتَّخذون الدِّين مركوباً لأهوائهم، يقودُونه حيث تهوى أحلام رؤسائهم، ولا يتورَّعون بعدها عن النفخ في سعير العصبية الجاهلية، وإذكاء جحيم الفتنة المذهبية، وإشعال الحروب الطائفية، من أجل صرف الأنظار عن القدس وفلسطين، حيث تدور رَحى الحرب الحقيقية.

الصورة الثانية:

أمَّا الصورة الثانية فهي أوسع مساحةً  وأكثر عدداً، وإن كانت أقلَّ من الأولى سلطاناً وأبعدَ عن أسواق المال والسلاح وإمبراطوريات الإعلام.

فأصحاب هذه الصورة وأبطالها هم الباحثون عن المعنى، الذين يتلمّسون تحقيق إنسانيتهم في كل قول يصدر عنهم وفي سائر ما يعملون، وسوف أضرب لهؤلاء مثلاً بمجموعة كبيرة تربو على الأربعمئة عدداً، مِن نساء ورجال وشباب، فيهم مِنْ كلِّ ما في الأرض من ألوانٍ وقوميات وأعراق، ولغاتٍ ولهجاتٍ وثقافات، ومبادئَ ومذاهبَ وأديان، فيهم الحقوقيُّ والطبيب والفنان والأديب ورجل الدِّين والناشط المدنيُّ والحزبيُّ والطالب والأستاذ؛ وقد جاؤوا من جهات الأرض الثمانية إلى نقطة اجتماعٍ واحدة، من أجل التضامن مع فلسطين، لم يأتِ بهم إلى بيروت إلا هذا الهدف.

سوف تسمع في مداولات هؤلاء وأحاديثهم كلاماً في الفنِّ والأدب والدِّين والمجتمع والاقتصاد والسياسة والتاريخ وغيرها. موضوعاتٌ من كلِّ مجال واختصاص، ولكنَّ خيطاً واحداً يجمع هذه الأحاديث المتفرقة، كما أنَّ روحاً واحدةً تؤلِّف بين أولئك المتحدثين.

أولاً – أمَّا الخيط الوثيق الذي يربط كل أحاديثهم ويضمُّ إليها حتى جلَسات سمَرهم فهو فلسطين.

فلسطين التي جاؤوا للتضامن مع بعضهم من أجلها، لكي تبقى قضيَّتها حيّةً رغم محاولات الخنق والتمويت.

فلسطينُ التي يرى كلُّ واحد منهم وكلُّ امرأة فيهم أنَّها قضيَّته هو نفسه، وليست قضيةً لطرفٍ آخرَ قريبٍ أو بعيد.

فلسطين التي تتلخص فيها كلُّ قضايا الأرض ومشكلاتها المؤرِّقة:

1- فيها قضية البيئة التي يدمِّرها المحتلّ: تجريفاً للأرض، واقتلاعاً لأشجارها، واستنزافاً لمياهها العذبة، وتلويثاً لترابها وبحرها وهوائها بالنفايات المعدنية والكيماوية والنووية.

2- وفيها قضيَّة الصحة: التي لا تشمل الأمراض المستعصية أو الخطيرة، ومأساةَ أصحابها على المعابر والنقاط الحدودية وصراعَهم مع شحِّ الدواء فحسب، بل وتتعداها إلى الأمراض الجديدة والنادرة أيضاً، والتي هي نتيجةٌ لمختلف صُنوف الأسلحة والمركَّبات الكيماوية المحرَّمة، والتي جعل الصهاينةُ من الفلسطينيين حقلاً لإجراء التجارب بواسطتها.

3- وفيها قضية حقوق الإنسان: التي لا يَفتئُ العالم يتشدَّق بها، ولا يملُّ السياسيون من اتخاذها حجةً للتدخُّل هنا وهناك، ولكن ليس حيث تُنتَهك هذه الحقوق أو يجري التعدِّي عليها فعلاً، ولكن حيث يجدون أنَّ لهم مصلحةً في التدخل، وحيث توجد مصادر الطاقة والموارد الصناعية وأسواق التصريف.

4- وفيها قضية أسلحة الدمار الشامل: التي يتمُّ التذرُّع بها من أجل حرمان الأمم من حقِّها في استثمار مواردها وتأمين الطاقة الكافية لتسيير اقتصادها، بينما لا يأتي أحدٌ من المكافحين ضدها على سيرة العديد من المفاعلات النووية المخصصة للأغراض العسكرية، التي تواصل “إسرائيل” بناءها وتشغيلها بعيداً عن أعين الرقابة.

5- وفيها قضية الطفولة: التي لا يكتفي الصهاينة بحرمانها من الحبِّ واللعب والتعليم والغذاء الصحيِّ والأمن النفسيِّ والرعاية الأُسَريَّة، بل يتعدَّوْن ذلك إلى ارتكاب كلِّ الجرائم بحقِّها، والتي يعدُّونها في الإعلام “جرائم حرب” أو “جرائم ضد الإنسانية”، ابتداءً من التوقيف التعسفيِّ والاعتقال الإداريّ، وصولاً إلى القتل المتعمَّد واحتجاز أجساد الشهداء منهم.

في قضية فلسطين تجتمع هذه القضايا وكلُّ القضايا العادلة الأخرى؛ من قضية القانون الدوليِّ المنتَهك، وحقوق المرأة المسلوبة، إلى قضايا الاحتلال والتمييز العنصري وحقوق العمال وسواها كثير.

فإذا كانت قضيةُ فلسطين كذلك فكيف لا يجتمع من أجلها كلُّ هؤلاء المتعددين، ويتَّفقون عليها رغم اختلاف ألوانهم وتنوُّع أديانهم وتباين أقطارهم، ولكن… ولكن ليس مع تناكرٌ بين قلوبهم وجوهرهم.

ثانياً – وهنا نصل إلى ما يجعل منهم نفساً ساميةً واحدة، وهي الروحُ العظيمة التي تؤلِّف بينهم، وتُحيلهم إلى أنموذج كامل لهذه الخليقة الإنسانية.

فأيُّ روحٌ هي هذه الروح ؟

إنَّها الروح المشتقَّة من قِيَم العدل والحرية، من مبادئ الخير والحقِّ والجمال، من حُلُم السَّلام الذي يسعى المقسطون من أهل الأرض لكي تعيش كلُّ الإنسانية في ظلِّه الرَّحب المديد.

هذه هي روح العاملين الحقيقيين من أجل فلسطين؛ لأنَّ فلسطين نفسُها لا تحتمل غير هذه المعاني، ولأنَّ الصراع على فلسطين هو صراعٌ بين فئتين من الناس، فئةٌ تحمل هذه المعاني وتعمل من أجلها، وفئةٌ تسعى من أجل السلطة والقوة والمال، ولا تبالي في عملها بعد ذلك بقيمة ولا مبدأ ولا خُلُق.

لا أقول ذلك مفترياً على هؤلاء ولا مادحاً لأولئك، بل أقوله تنبيهاً لكل غافل وتوضيحاً لكل متشكِّك، وبياناً لحقيقة القضية، فمن أراد أن يعمل للقدس فليتَّصف بأخلاق القدس وليتحلَّ بفضائلها، فهذه الأخلاقُ والفضائلُ والقِيَمُ الشريفة هي الميزان.

فمن اعتقد في نفسه أنَّه إنسانٌ حرٌّ وعادل، ثم كان عملُه في المعسكر الذي يسعَى لتصفية القضية الفلسطينية وتَسويتها على حساب أهل الأرض وأرباب الحقِّ، فليس حرّاً ولا عادلاً أبداً.

ومن ظنَّ نفسَه عاملاً للقدس دون أن يتحلَّى بها، فليراجع نفسه، فإنَّ شرفَ القدس يأبى أن تتحرر إلا على أيدي المؤمنين الشرفاء؛ كما قال الشريف الحرُّ السيد موسى الصدر عطَّر الله ذكراه.

ولَعمري، إنَّ كلَّ الذين رأيتهم في الملتقى الرابع للتضامن مع فلسطين هم من الأحرار الشرفاء، وإنِّي على يقين من أنَّ السيد موسى لو رآهم، لقال عنهم، على الاختلاف الظاهر فيما بينهم في الأديان والمعتقدات: عن هؤلاء وأمثالهم كنتُ أتحدَّث عندما ذكرتُ المؤمنين الشرفاء.

بقلم الأستاذ الشّيخ محمّد أديب ياسرجي- عضو الحملة العالمية للعودة والملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين.

شارك هذه الصفحة, واترك رأيك حول الموضوع باستخدام وسيلة التواصل التي تناسبك!

اضف تعليقا

اذهب إلى الأعلى