هدم مقر الأونروا في القدس… ضربة للذاكرة واللاجئينهدم مقر الأونروا في القدس… ضربة للذاكرة واللاجئين

معبر رفح.. أملٌ يمرُّ بين الأسلاك والرقابة

ليس كل معبر يُفتح هو نافذة نجاة. في غزة، حين يُقال إن معبر رفح “فُتح”، تُستحضر تلقائيًا صور المرضى العالقين، والمسافرين المنتظرين، والجرحى المتألمين خلف الأسوار، كأن الفتح صار مشهدًا تمثيليًا مفرغًا من مضمونه الإنساني. لا خطوات تُجسّد الحياة، بل سلسلة من القيود والإجراءات الأمنية والعوائق السياسية، تُحيل “شريان الحياة” إلى أنبوب تنفّس صناعي بالكاد ينبض.

منذ الإعلان عن إعادة فتحه بشكل تجريبي قبل أيام، لم يكن معبر رفح البري بين قطاع غزة ومصر أكثر من مرآة تعكس حجم العبث المستمر بحق الفلسطينيين. فالمعبر، الذي أُغلق منذ اجتياح الكيان الغاصب لمدينة رفح في مايو 2024، عاد تحت شروط أقرب ما تكون إلى إدارة أمنية متعددة الجنسيات، تُملي على المريض توقيت أنينه، وعلى الجريح طريق خروجه من الألم.

ما يُسمّى بالفتح جاء مشروطًا برقابة أمنية صارمة، تبدأ من تسليم أسماء المسافرين إلى جهات أمنية متعددة، وتخضع لموافقة الكيان الغاصب عبر جهازه الاستخباراتي، بينما تُراقب الكاميرات كل حركة وتُدار البوابات عن بُعد عبر زر تحكم صهيوني، وكأننا أمام مشهد من رواية ديستوبية لا واقعًا إنسانيًا.

حتى الداخل إلى غزة لا يُستثنى من هذه الرقابة، بل يُفتَّش ويمر عبر مسارات شُيّدت خصيصًا تحت أنقاض الدمار. المعبر ذاته، الذي تضرّر بفعل القصف والاجتياحات، أعيد تأهيله على عجل، لا ليكون بوابة إنقاذ، بل ممرًا مشروطًا لعدد محدود من الحالات.

غياب آلية واضحة لنقل المرضى والجرحى، وسط ضبابية سياسية وإدارية، يعيد إنتاج الأزمة بشكل أكثر قسوة. آلاف المرضى ينتظرون الخروج للعلاج، بينهم مئات الحالات الحرجة، وأطفال مصابون بالسرطان، يتسابقون مع الزمن والموت، لكن حسابات الحصار تبطئ الزمن وتُسرّع الموت.

المعبر الذي كان يجب أن يُعاد فتحه كأولوية إنسانية، تحول إلى ساحة اختبار جديدة لإعادة إنتاج الحصار بآليات جديدة. من التنسيق الأمني إلى التدقيق في الهويات، ومن التفتيش المفرط إلى التحكم بالبوابات، تُرسم ملامح ما يشبه السجن المفتوح.

التداعيات تتجاوز المرضى. فإغلاق المعبر سابقًا بدّد أحلام آلاف الطلبة، وجمّد سنوات من أعمارهم، وأعادهم من طموحات الخارج إلى جدران الانتظار. أما من نجا من القصف، فقد لا ينجو من روتين الأبواب المغلقة.

إعادة فتح معبر رفح، بهذا الشكل، لا تعني رفع الحصار، بل إعادة تصميمه. فتحٌ بمواصفات أمنية، بشروط سياسية، تحت رقابة عسكرية، هو امتداد لحالة القهر لا تجاوز لها. إنه فتحٌ يُبقي الفلسطينيين معلّقين على أمل مُفرّغ، لا يداوي جراحًا ولا يُنقذ أرواحًا، بل يعمّق الشعور بأنهم وحدهم في مواجهة الزمن البطيء والقرارات المؤجلة.

Share This Story, Choose Your Platform!