إطلاق “جمعة الدفاع عن الأسرى” ودعوة إلى تصعيد التحركات الشعبية لمواجهة “قانون إعدام الأسرى”

يوم النكبة، والوضع الاستثنائي للدولة الصهيونية، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة

يوم النكبة، والوضع الاستثنائي للدولة الصهيونية، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة

الدكتور صابر أبو مريم

الأمين العام، مؤسسة فلسطين باكستان

 

مع حلول شهر مايو من كل عام، يتجدد جرح قديم في قلوب المناصرين للعدالة في جميع أنحاء العالم. ذلك الجرح هو جرح يوم النكبة، ذلك اليوم من عام 1948 الذي شهد إقامة كيان صهيوني غاصب على أرض فلسطين. ففي يوم النكبة، طُرِد ملايين الفلسطينيين من بيوتهم ومزارعهم وبلداتهم ومدنهم، ومُحيت مئات القرى من الوجود، وأُجبِر شعب بأكمله على النزوح واللجوء وعبثية الانتماء. لا ينظر الفلسطينيون إلى هذه المأساة باعتبارها مجرد حدث تاريخي، بل هي ظلم مستمر، لأن النكبة لم تنتهِ حقًا.

يُروى أنه في يوم واحد، قتلت العصابات الصهيونية المغتصبة 25 ألف فلسطيني. وتذكر التقارير أن موادًا سامة كانت تخلط في خطوط المياه. ولم يرحموا حتى الأنعام. نزح نحو 1.5 مليون فلسطيني من وطنهم في يوم واحد.

لم تكن إقامة الكيان الصهيوني الغاصب على أرض فلسطين مجرد احتلال إقليمي، بل كانت جزءًا من مشروع استعماري غربي أوسع. بدأت العملية برعاية بريطانية عبر وعد بلفور، وتطورت بقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181، ثم عبر القوة العسكرية للاستيلاء على أرض فلسطين وإقامة دولة نالت دعمًا استثنائيًا من العالم الغربي منذ لحظة ولادتها. ولهذا السبب تحتل إسرائيل موقعًا استثنائيًا في النظام السياسي الغربي.

وهذا الوضع تحديدًا هو ما يدفع الدول الغربية إلى التغطية على جرائم إسرائيل. فلو كانت الدولة الإسرائيلية مفيدة حقًا، فلماذا لم تقم الحكومات الغربية بإقامتها في أوروبا أو أي مكان آخر في الغرب؟ يرى الباحثون أن الحكومات الغربية والأوروبية كانت تدرك جيدًا أنه لو أُنشئت دولة اسمها “إسرائيل” في العالم الغربي لليهود، لكان ذلك مزعزعًا للسلام هناك. وبدلًا من ذلك، فضلوا تدمير السلام في مناطق أخرى من العالم بتسهيل إقامة هذا الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين، ومنحه هذا الوضع الاستثنائي.

هناك دول كثيرة في العالم، لكن إسرائيل هي الدولة الوحيدة التي لا تغتصب الأراضي فحسب، بل إن القوانين الدولية تُنتهك مرارًا من أجلها، وتُجمّد قرارات الأمم المتحدة، وتُوضع مبادئ حقوق الإنسان جانبًا. فرغم أن قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفقًا للقانون الدولي، غير ملزمة قانونًا، فإن الحكومات الغربية سارعت إلى استخدام وعد بلفور وقرار التقسيم رقم 181 لتأسيس الكيان الصهيوني على أرض فلسطين. ولو قامت أي دولة أخرى بالاحتلال، وبناء المستوطنات، والتمييز العنصري، والعقاب الجماعي لأكثر من نصف قرن، لكانت العقوبات شديدة عليها بلا شك. لكن الحكومات الغربية تطبق معايير مختلفة مع إسرائيل.

أوضح مثال على الوضع الاستثنائي لإسرائيل هو علاقتها بالولايات المتحدة. فإسرائيل ليست مجرد حليف لواشنطن، بل تحتل مكانة خاصة في مراكز صنع القرار السياسي الأمريكي. فالقرارات الداعمة لإسرائيل تمر سريعًا في الكونغرس الأمريكي، وتستمر المساعدات العسكرية بمليارات الدولارات دون انقطاع، ويعلن الرؤساء الأمريكيون، بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية، أن أمن إسرائيل هو مصلحة قومية أمريكية.

إن قانون الولايات المتحدة يفرض الحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” لإسرائيل، والرئيس الأمريكي ملزم بالحفاظ عليه. ولا تتمتع أي دولة أخرى بحماية قانونية ملزمة كهذه في الولايات المتحدة. كما تتلقى إسرائيل مساعدات عسكرية ثابتة، طويلة الأجل، مضمونة، وغير مشروطة من واشنطن. وهذا النموذج غير موجود لأي دولة أخرى. وكانت إسرائيل أول دولة غير تابعة لحلف الناتو تمنح حق الوصول إلى مشاريع دفاعية مشتركة حساسة. ولا تتمتع أي دولة أخرى بمثل هذه الامتيازات، فحتى بريطانيا لا يمكنها الوصول إلى بعض التقنيات شديدة الحساسية بالحرية نفسها الممنوحة لإسرائيل، مثل جوانب معينة من تكنولوجيا الطائرة المقاتلة إف-35.

كما أن إسرائيل شريك في عمليات سرية للغاية في مجالَي الاستخبارات والحرب الإلكترونية مع الولايات المتحدة. ففي بعض القطاعات، وخاصة الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، تعامل الولايات المتحدة إسرائيل كشريك متساوٍ. وفي الواقع، تم دمج إسرائيل في هيكل القيادة العملياتية للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم). ولم يُمنح أي بلد آخر هذا الاندماج في الهيكل العسكري الأمريكي. وتُخزَّن مخزونات عسكرية أمريكية على الأراضي الإسرائيلية بموجب بروتوكول خاص. علاوة على ذلك، تعتبر وثائق الاستراتيجية الوطنية للأمن، والاستراتيجية الوطنية للدفاع، والبنتاجون، أن أمن إسرائيل جزء من الأمن القومي الأمريكي نفسه. ولا يتمتع أي بلد آخر بهذا الوضع.

خلاصة القول، لا توجد دولة أخرى في الكونغرس الأمريكي تحظى بدعم سياسي استثنائي كما تحظى به إسرائيل. فالمساعدات العسكرية الخاصة، وتوريد الأسلحة المتطورة، والحماية الدبلوماسية، والاستخدام المتكرر لحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، كلها تظهر طبيعة هذه العلاقة. لقد أصبحت إسرائيل أكثر من مجرد دولة، بل هي قاعدة عسكرية وسياسية للقوة الغربية في غرب آسيا.

لكن السؤال هو: من يدفع ثمن هذا الوضع الخاص؟ الجواب واضح: الشعب الفلسطيني.

أطفال غزة المحاصرون، ومدن الضفة الغربية المُطبَق عليها، وقدسية القدس المنتهكة، والعائلات التي تعيش جيلًا بعد جيل في مخيمات اللجوء، وملايين اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين عبر العالم، كلهم يواصلون دفع هذا الثمن. صودرت بيوتهم، وسُرقت أراضيهم، واستُهدف هويتهم بالطمس، لكن إرادتهم لم تنكسر.

لهذا فإن المبدأ الأكثر جوهرية في النضال الفلسطيني هو حق العودة. فوفقًا لقرار الأمم المتحدة رقم 194، يحق للاجئين الفلسطينيين العودة إلى ديارهم. وهذا ليس مجرد شعار سياسي، بل هو حق إنساني يعترف به القانون الدولي. ومع ذلك، ترفض إسرائيل الاعتراف بهذا الحق، لأنه إذا عاد الفلسطينيون، فسوف تنكشف رواية الاحتلال بأكملها.

اليوم، يحتفل الفلسطينيون في جميع أنحاء العالم بالخامس عشر من مايو، يوم النكبة، باعتباره أيضًا “يوم العودة إلى فلسطين”، تأكيدًا على حق الشعب الفلسطيني في العودة. وقضية فلسطين ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي صرخة شعب بأكمله ضد التهجير القسري من وطنه. هذه الصرخة تُدعى “حق العودة”. إنها حكاية شعب مضطهد، ورغم الإبادة الجماعية، والحصار، والقمع، والنفي، لم يتخلَّ عن وطنه، ولا عن حقوقه، ولا عن تاريخه. حتى اليوم، يسعى الفلسطينيون في كل بقاع الأرض إلى حق العودة إلى فلسطين ليستقروا مجددًا في وطنهم.

اليوم، العالم يتغير. الأجيال الشابة تتحدى السردية الغربية. والأصوات الداعمة لفلسطين ترتفع في الجامعات، والشوارع، والمحافل الدولية. لقد أظهر القصف والإبادة الجماعية في غزة ولبنان للعالم أن خلف الصورة الإسرائيلية البراقة للديمقراطية، تقع حقيقة الاحتلال والقوة وإراقة الدماء المرة. كما كشفت النقاب عن نفاق العالم الغربي وشعاراته الجوفاء حول حقوق الإنسان.

إن يوم النكبة ليس يوم حزن وأسى فحسب، بل هو أيضًا يوم التزام. التزام بأن حق الشعب الفلسطيني في العودة لن يُنسى، وأن مكانة القدس لن تُنسى، وأنه مهما بدا الظلم قويًا، فالتاريخ يثبت دائمًا أنه مؤقت.

لذلك، فإن شعار أولئك الذين يقفون مع فلسطين في جميع أنحاء العالم اليوم واضح: “العودة قريبة، وفلسطين ستكون حرة”.

Share This Story, Choose Your Platform!