هدم مقر الأونروا في القدس… ضربة للذاكرة واللاجئين
في تطور خطير وغير مسبوق، أقدم الكيان الغاصب على هدم مقر الرئاسة العامة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في حي الشيخ جراح بالقدس المحتلة، في جريمة تتجاوز حدود الفعل العدواني إلى مساحة الاستهداف السياسي الممنهج.
ما جرى في 20 كانون الثاني/يناير 2026 هو أكثر من مجرد هدم مبنى إداري؛ إنه خطوة صريحة تهدف إلى إسقاط الذاكرة الدولية لقضية اللاجئين الفلسطينيين. الأونروا، التي مثلت لعقود الحاضن الأممي لقضية اللاجئ، أصبحت هدفًا لمشروع استعماري يرى في وجودها خطرًا على روايته، وفي استمرارها تهديدًا لسرديته، وفي عملها داخل القدس قنبلة سياسية لا بد من نزع فتيلها.
الطريق إلى هذا الهدم لم يبدأ اليوم. فمنذ العام 2017، بدأ الكيان الغاصب بخطوات متدرجة تهدف إلى طرد الأونروا من القدس، أولًا عبر منعها من تقديم خدماتها، قبل أن تبدأ مرحلة التضييق الخانق بقطع المياه والكهرباء عن مقراتها، وحرمانها من الإعفاءات الضريبية المنصوص عليها في اتفاقيات الأمم المتحدة.
تلك السلسلة التصاعدية من الاستهداف بلغت ذروتها مع اقتحام مقر الوكالة، وهدم منشآته، وإنزال علم الأمم المتحدة ورفع علم الكيان الغاصب مكانه. يعد هذا المشهد انتهاك صارخ للشرعية الدولية، وتجسيدًا لرغبة الكيان الغاصب في فرض سيادته بالقوة على القدس المحتلة، حتى لو كان الثمن تدمير مبانٍ تتبع للأمم المتحدة.
وتتجاوز حدود الجغرافيا. فشطب الأونروا من القدس هو محاولة لشطب رمزية حق العودة من جذورها، وإعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني كحالة منتهية، لا كقضية انسانية قائمة. إنه جزء من مشروع محو المخيمات، كمفاهيم أكثر منها كمبانٍ، كما يجري في الضفة الغربية من هدم للمخيمات واستهداف لخصوصية اللاجئ.
ما بعد الهدم هو الأخطر. فالأرض التي كان يقوم عليها مقر الأونروا، والتي تمتد على 42 دونمًا، تنتظر تحويلها إلى مشروع استيطاني جديد، يضم أكثر من 1400 وحدة سكنية للمستوطنين، في قلب حي الشيخ جراح، ضمن مخطط لابتلاع ما تبقى من الطابع العربي والإسلامي للقدس.
الرسالة واضحة: لا مكان لأي ذاكرة فلسطينية أو حضور أممي في القدس، بل فقط للمشاريع الاستيطانية التي تكرّس واقعًا عنيفًا تفرضه القوة لا الشرعية.
وفي ظل هذا التصعيد، يُطرح السؤال مجددًا: هل سيبقى العالم متفرجًا على استباحة المؤسسات الأممية، أم أن هدم مقر الأونروا سيوقظ ما تبقى من ضمير القانون الدولي؟
القدس تُنتهك في وضح النهار، والمؤسسات الدولية تُقوَّض واحدة تلو الأخرى. إنها معركة ليست على المباني، بل على الحق والتاريخ والرواية.
وما جرى في الشيخ جراح ليس نهاية المطاف، بل جرس إنذار لحاضر القدس ومستقبل اللاجئين معًا.


