القدس تُغتصب.. خرائط الاستيطان تتحول إلى سلاح اقتلاع ومعركة وجودالقدس تُغتصب.. خرائط الاستيطان تتحول إلى سلاح اقتلاع ومعركة وجود

حين تنطق الأرض.. فلسطين تستحق

فلسطين لا تطلب المستحيل، بل تطلب ما تستحق.. تستحق أن تُروى أرضها بالندى لا بالدم، وأن تستيقظ على صوت الطبيعة لا على صفير الطائرات. فلسطين، تلك الحكاية التي بدأت قبل أن تولد حضارات بأكملها، لم تكتب خاتمتها بعد، ولا تزال تقاوم رغم كل الظروف الصعبة التي تحاول قهر الفلسطيني
فلسطين تستحق الحياة، لا أن تُقايض على بقائها. أن تكون فيها الطفولة لعبًا لا لجوءًا، والتعليم حقًا لا حلماً. تستحق أن يُسمع في أحيائها صوت الأعراس لا نداءات الإنقاذ، أن يُزرع في ترابها القمح لا الشظايا، وأن تُضاء بيوتها بالفرح لا بحرائق القصف.

في غزة، لم تعد السماء زرقاء. صارت رماداً ينهال على البيوت، وغباراً يختنق به الهواء. هناك، تُباد العائلات بلا رجفة في يد القاتل، ويُدفن الأطفال مع عائلاتهم. وهناك، يقف العالم، بكامل عجزه، أمام مشهد الإبادة وكأن شيئًا لا يحدث.

فلسطين تستحق أن يُرفرف العلم الفلسطيني عاليًا في عاصمتها الأبدية مدينة القدس المحتلة، لا كرمزٍ عابر في مناسبة، بل كحقيقة سيادية راسخة تعبّر عن حق تاريخي وقانوني لا يسقط بالتقادم. تستحق القدس أن تعود مدينة مفتوحة لأهلها وأحرار العالم، تُمارَس فيها الطقوس الدينية بلا قيد، ويُسار في أزقة بلدتها القديمة دون حواجز عسكرية أو تصاريح أمنية، ودون الخضوع لإرادة الاحتلال أو موافقته على الدخول والخروج. القدس تستحق أن تكون مدينة للحياة، لا ثكنة عسكرية، وأن يعود المسجد الأقصى وكنيسة القيامة رمزين للحرية الروحية، لا ساحتين للاقتحام والاستفزاز والقمع المنهجي.

وتستحق الضفة الغربية أن تتحرر من سرطان الاستيطان والمستوطنين، وأن تُزال عنها منظومة الحواجز العسكرية والتفتيش والإجراءات الأمنية المشدّدة التي مزّقت الجغرافيا وخنقت الإنسان الفلسطيني. تستحق الضفة أن تعود مساحة واحدة متصلة، بلا جدران ولا طرق التفافية، حيث يكون التنقل حقًا طبيعيًا لا مغامرة يومية. تستحق ضفة الوطن أن تتحول إلى منارة للعلم والتكنولوجيا والاقتصاد والإبداع، وأن تُستثمر طاقات شبابها في البناء والتنمية لا في الانتظار على الحواجز أو مطاردة لقمة العيش تحت الاحتلال. فلسطين تستحق أن تُبنى بسواعد أبنائها، وأن تزدهر دون وصاية أو قمع، ودون أن يكون الاحتلال شرطًا أو عائقًا أمام الحياة.

فلسطين تستحق الحرية.. حرية لا تشبه البيانات، بل تُكتب في ملامح الأسرى، في وصايا الشهداء، في أصابع الأطفال المرفوعة بالحجارة. تستحق أن تفتح معابرها متى شاءت، لا بإذن المحتل، وأن تسير في شوارعها دون أن يقطعها جدار أو سلاح.

الحرية ليست امتيازًا، بل فطرة، تُولد بها الشعوب كما يولد بها الندى على أغصان الزيتون.

وفلسطين تستحق عودة لا خريطة لشتات.. من خيام النزوح في رفح إلى مخيمات الشتات في أصقاع العالم، تتناقل الأمهات مفاتيح البيوت المغتصبة، وكأنها تعاويذ ضد النسيان. هناك، تحت أقمشة الخيام، تولد الأجيال على حكاية لم تنتهِ، يُرضعون الحنين مع الحليب، ويكبرون على أسماء قرى لم يروها إلا في المنام، يكبرون على حيفا ويافا والنقب وعكا وكل المدن الفلسطينية المحتلة.

تستحق أن تُعاد الأرض لأصحابها، والبحر لصياديه، والمساجد لمآذنها، والكنائس لأجراسها. أن يعود اللاجئ إلى عتبة داره لا إلى قائمة الانتظار. أن تُطوى خيام اللجوء، وتُنسى أسماء المعابر، وتُكسر القيود.

فلسطين تستحق النصر، لأن الهزيمة ليست خيارها. نصرٌ لا يُقاس بعدد جلسات مجلس الأمن، بل بعدد المرات التي نهضت فيها من تحت الركام، بعدد القلوب التي لم تتوقف عن النبض رغم كل هذا الموت المتكرر. نصرٌ تمنحه العزيمة، لا الجيوش؛ الإيمان، لا الصفقات.

فلسطين تستحق أن يتحرر أسرى الحرية.. أولئك الذين حوّلوا الزنازين إلى منابر للكرامة، والظلام إلى مدرسة للثبات. لا تذبل أرواحهم خلف القضبان، بل تزهر كلما نادينا باسمهم، نحملهم في كل يوم، فهم حراس المعنى، وملح الأرض.

الإبادة، التهجير، الحصار، الجوع، الجدران، الصمت… كل ذلك لم يكسر فلسطين. فكيف لا تستحق؟ كيف لا تستحق أن تكون حيّة، حرّة، منطلقة، سامقة كالزعتر، عنيدة كالصبّار، مشرقة كأذان الفجر في الأقصى؟

“فلسطين تستحق”، ليست شعارًا نكتبه ونمضي، بل وعدًا نخطه في قلوبنا. نعلنه في وجه العالم: فلسطين لا تُنسى، لا تُختصر، لا تُقصى.

فلسطين تستحق، لأن العدل لا يُؤجل، ولأن الإنصاف لا يُساوم.

Share This Story, Choose Your Platform!