القدس تُغتصب.. خرائط الاستيطان تتحول إلى سلاح اقتلاع ومعركة وجود
في القدس، لم تعد الخرائط أوراقًا صامتة، بل صارت أدوات اقتلاع تُرسم بالقوة وتُفرض بالأمر الواقع. هنا، لا يُشاد العمران لخدمة الإنسان، بل ليُزاح الإنسان من المكان، ولا تُناقش المخططات بوصفها مشاريع تنظيم، بل كوسائل اغتصاب ممنهج، تُحوّل الأرض إلى غنيمة، والمدينة إلى ساحة سيطرة. فالاحتلال، الذي لم يكن يومًا فعلًا سياسيًا، يمضي اليوم في أكثر مراحله فجاجة، مستخدمًا التخطيط العمراني كسلاح بارد، واللجان التنظيمية كواجهة إدارية لفرض واقع قسري لا يعترف بحق ولا تاريخ.
في هذا السياق، حذّرت محافظة القدس من مخططين استيطانيين جديدين مطروحين على جدول أعمال ما تُسمّى اللجنة اللوائية للتخطيط والبناء التابعة للكيان الغاصب، معتبرةً أنهما يشكّلان قفزة نوعية في مشروع تهويد المدينة. فالمخططان لا يندرجان ضمن توسع عابر، بل يكشفان انتقال الكيان الغاصب إلى سياسة الإغلاق الجغرافي الكامل، لعزل القدس عن محيطها الفلسطيني، وقطع صلاتها الطبيعية بالضفة الغربية المحتلة.
أخطر هذه المخططات يستهدف أراضي مطار القدس الدولي السابق في قلنديا. تلك المساحة التي لم تكن مجرد أرض، بل رمزًا لسيادة فلسطينية في أي أفق مستقبلي. اليوم، يُراد لها أن تتحول إلى كتلة استيطانية ضخمة تضم قرابة تسعة آلاف وحدة سكنية، تُغلق شمال القدس وتحوله إلى حزام احتلالي خانق.
ولا تكمن خطورة هذا المخطط في عدد وحداته الاستيطانية فحسب، بل في موقعه المدروس بعناية، إذ يقطع الشريان الوحيد الذي يصل القدس برام الله، ويحوّل المدينة إلى جزيرة محاصرة استيطانيًا، بلا عمق جغرافي ولا اتصال طبيعي بمحيطها الفلسطيني، ويحوّلها إلى مساحة معزولة تُدار بالقوة لا بالحق.
ديمغرافيًا، لا يسير الاستيطان بعشوائية. فبحسب تقديرات مختصين، سيضيف مخطط قلنديا وحده عشرات آلاف المستوطنين خلال سنوات قليلة، في مقابل سياسات هدم ممنهجة، ومنع ترخيص، وضرائب باهظة تُفرض على الأحياء الفلسطينية، لدفع سكانها قسرًا نحو الرحيل. هنا، لا تُبنى مساكن فقط، بل يُعاد ضبط الميزان السكاني بعناية، بحيث تقابل كل وحدة استيطانية عائلة فلسطينية مهددة بالاقتلاع.
وفي حي الشيخ جراح، تتجلى سياسة الاغتصاب بأوضح صورها. مخطط “نحلات شمعون” لا يستهدف أرضًا فارغة، بل حيًا مأهولًا منذ عقود، ويقضي بإزالته بالكامل لصالح مستوطنة جديدة. وما يجري من تهجير قسري مكتمل الأركان، تُستخدم فيه منظومة قانونية مزدوجة: قوانين لحماية المستوطن، وأخرى كسوط مسلط على الفلسطيني، حتى داخل محاكم الكيان الغاصب.
ولا يتوقف الاستهداف عند حدود البناء، بل يمتد إلى تفكيك النسيج الاجتماعي والعمراني، عبر “مشاريع ربط استيطاني” تقسم الحي وتُلغي دوره التاريخي.
أمام هذا المشهد، تؤكد محافظة القدس أن ما يجري معركة وجود لا نزاع تخطيط. ومع الصمت الدولي، يبقى الرهان على صمود الفلسطينيين، وتمسكهم بأرضهم وبيوتهم وذاكرتهم. فالقدس تُغتصب بالقوة، لكنها تُحمى بالإرادة، وصمود أهلها هو السد الأخير في وجه الاقتلاع.


