فؤاد البطاينة



فشل الإستراتيجية القديمة

لا يوجد في التاريخ ولا في القانون الدولي وشرعة الأمم ما يُبيح أو يقبل بأن يكون الدين أو متعلقاته أساساً لإقامة حقّ السيادة على الأرض أو ملكيتها واستحقاق ذلك. بينما الصهيونية اليهودية تقيم ادّعاءها حول ملكية الأرض ومساحتها على أساس السردية التوراتية التي تنصّ بنفس الوقت على غربة اليهود عن الأرض. المسيحية الصهيونية التي تدعم المنطق الصهيوني انطلاقاً من اختراق الصهيونية للمعتقد المسيحيّ، استخدمت القوة العسكرية إلى جانب الهجوم على الإسلام وتشويهه وتضليل العالم والشعوب العربية بشتى الأساليب بما فيها إلصاقه بالارهاب موافقة لنظرية صراع الحضارات ولتحقيق غرضها. وهي لم تنجح حتى الآن نتيجة ثبات الشعب العربي والفلسطيني بالذات على الإيمان بنقاء ومصداقية قضيته وتمسكه بحقوقه في وطنه التاريخي.

الإستراتيجية الجديدة ولعبة “الديانة الإبراهيمية”

الديانات الثلاثة
رموز الديانات الثلاثة

انتقلت الصهيونية الأمريكية واليهودية إلى استراتيجية أخرى بديلة لفرض المبدأ الديني التوراتي بسيرته الخرافية من خارج المبادئ المثبتة بالأصل. وتقوم هذه الإستراتيجية الجديدة على تطوير استخدام الدين باستبدال مخطط الهجوم الفاشل عليه إلى استيعابه واختراقه واختطافه كعقيده وقدسية ومقدسات ووضعه تحت جناح اليهودية التوراتية للإستحواذ على الوطن العربي بدءاً من احتلال فلسطين، من خلال خطة ما أسموه “الدين الابراهيمي “. بمعنى أن هذه الإستراتيجية الجديدة تقوم على استبدال المسار السياسي التفاوضي الفاشل والمرفوض شعبياً بمسار الحوار الديني مستغلين هزيمة الدول العربية عسكريًا وأمنيًا واقتصاديًا ووجود وكلائهم من حكاّم أذلة أمام الغرب ومشاريعه. وتضطلع بهذا المخطط أدوات دينية من “حاخامات” الأديان الثلاثة، لديها نتائج مسبقة تسعى للوصول إليها على طاولات حوار خروفها الحاخامات المسلمة، تحشدها أنظمة الحكم العربية المطبّعة بزعامة أذلاء الإمارات. ومهمّتها تأويل الآيات القرآنية وتطويعها للسردية التوراتية كمدخل لتغيير معتقدات الشعوب العربية والإسلامية التاريخية والسياسية والقانونية.

تضطلع بهذا المخطط أدوات دينية من “حاخامات” الأديان الثلاثة، مهمّتها تأويل الآيات القرآنية وتطويعها للسردية التوراتية كمدخل لتغيير معتقدات الشعوب العربية والإسلامية التاريخية والسياسية والقانونية.

مأسسة أمريكا للمخطط

وعلى الطاولات مصطلحات جديدة لصيقة بمشروع الدين يتم تداولها منذ عشرة سنين، مثل الشعوب الأصلية، والأراضي الإبراهيمية، والمدينة الإبراهيمية ومسار إبراهيم، وشعارات أخرى وكلها ملغومة ومضللة تصب في خانة إلغاء المفاهيم والمقدسات الإسلامية لصالح المفاهيم التوراتية. وهذه الإستراتيجية الجديدة وُضِعت أسسها في عهد أوباما من قبل صهيونية الحزب الديمقراطي هيلاري كلنتون لتعتمد في وزارة الخارجية كجزء من السياسة الخارجية الأمريكية، وحشدت مجموعات عمل متخصصة من رجال الدين المطبّعين لمزاوجة العمل السياسي بالدين. واعتمدت منظمات المجتمع المدني المدعومة في الدول العربية وخاصة الممولة من الخارج وناشطوها مبدأ فتح حوار وتواصل مع اليهود كمدخل لهذا الأمر. وقد تبنّت إدارة ترامب الفكرة وبلورتها بعنوان خدمة السلام في الشرق الأوسط وإنهاء الصراع. وتلقفتها أيضاً العواصم الأوروبية.

شمولية نزع قدسية المقدسات، ومشروع نظام عالمي جديد

بينما تبدو في ظاهرها نموذجاً للسلام والتقارب، تستبطن هذه الأعمال تضييع الحقّ الفلسطيني والعربي.

المسألة ليست مزحة، نحن أمام استراتيجية ناعمة وممأسسة إعلامياً وفكرياً وسياسياً وإدارياً على مستوى العواصم الغربية وأمريكا والأمم المتحدة بما فيه وكالة الأنروا. استراتيجية تتبنى مشروع الدين الابراهيمي ذريعة وتدعمه بإغراءات اقتصادية واهمة، بينما الغرض الصهيوني هو اختراق الشعب العربي من خلال اختراق مقدّساته التي هي بوصلة اتجاهه بمختلف القضايا، واختطاف الإسلام بنزع قدسيته وقدسية مقدساته لصالح السردية التوراتية التي إن شملت فلسطين فستشمل كل الوطن العربي، وإن شملت الأقصى فستشمل الكعبة، وإن شملت الحرم الإبراهيمي ستشمل الحرمين. هناك مؤسسات ودوائر وأجهزة متخصصة وكهنة وربايات وشيوخ وموازنات بتخطيط وأوامر من تلك الدولة العميقة التي تتحكم بمال واقتصاد وسياسة ومفاصل العالم وتُسيِّر القرار الغربي والزعماء السياسيين الأوروبيين، من أجل اقامة نظام عالمي جديد يكون فيه العرب بما ملكوا واعتقدوا مُلكاً مُستعبداً للصهيونية اليهودية.

الاستراتيجية تتبنى مشروع الدين الابراهيمي ذريعة وتدعمه بإغراءات اقتصادية واهمة، بينما الغرض الصهيوني هو اختراق الشعب العربي من خلال اختراق مقدّساته التي هي بوصلة اتجاهه بمختلف القضايا

التعويل على رفض الشعوب كافٍ لإفشالهم

المسألة ليست مزحة، فحتّى صفقة القرن لزّمتها أميركا لطاولة الديانة الإبراهيمية. وعلينا كمواطنين أو شعب أن نأخذ الأمر على محمل الجد ولا نجلس منتظرين حدوثه. فمعظم الحكام العرب من جهلة أو خونة أو عملاء أو لامنتمين موجودون وجاهزون للتعاون. لكن فشلهم جميعاً مرهون بوعي الشعوب العربية وهي قادرة على إفشال المخطط الجديد كما أفشلت القديم. وحيث أنه لا أمل على المدى المنظور في عمل عربي شعبي جماعي، فإن الأمل كله يبقى في وعي كل مواطن عربي أو مسلم على عقيدته وقيمه ومقدّساته والتمسك بها ورفض الانسياق والتجاوب مع كل طبخة فيها يدٌ لأميركا والصهيونية العالمية والحكام العرب المطبّعين وشيوخ البلاط مهما بدا من ظاهرهم إيجابيات. إنّ في هذا الرفض الشعبي الشامل ومقاومة الاختراق، إفشال لمخططهم الجديد.