شهدت محافظات إيطاليا خلال العدوان الصهيوني الأخير على فلسطين وقطاع غزّة حركة تضامنية كبيرة مع فلسطين شعباً وقضيةً.

ورغم المشاركة الشعبية العفوية الكثيفة، لكنّ نجم المشهد التضامني كان بلا شكّ النقابات العمّالية التي لم تكتفِ بالتضامن الكلامي بل اتخذت مبادرات عملية جريئة في ظلّ الصمت الأوروبي الرسمي المتوطئ مع الصهيونية ومصالحها.

فبعد إعلان النقابات العمالية “سي كوباس” تضامنها الكامل مع نضال الشعب الفلسطيني ضدّ الاضطهاد الإسرائيلي ومع الإضراب العامّ الذي نفّذه الشعب الفلسطيني على امتداد فلسطين من القدس إلى الضفة والداخل المحتلّ في 18 أيار الماضي رفضاً للعدوان على القدس وغزة، وتنظيم تظاهرات مؤيدة وداعمة في ميلان وبولونيا وفينيسيا (البندقية) ونابولي وغيرها، واعتبار ما تشهده الأراضي الفلسطيني تطهيراً عرقياً من قبل عصابات المستوطنين، أدانت النقابات موقف الحكومة الإيطالية المتوطئ مع الكيان والساكت عن جرائمه.

مظاهرة في نابولي خلال العدوان تضامناً مع فلسطين

النقابات التجارية والعمالية أعلنت في بياناتها بصراحة دعمها لتحرّر فلسطين، ووقوفها إلى جانب الشعب الفلسطيني المظلوم في معركته ضدّ الاحتلال وحكومته الاستعمارية الإمبريالية، وأعلنت استعدادها لمواجهة القرارات الرسمية للحكومة الإيطالية في حال توجّهت لدعم كيان الاحتلال في جرائمه ضدّ الفلسطينيين.

لكنّ الخطوة الأقوى كانت بتوقيع من عمّال مرفأ ليفورنو في نابولي، حيث رفض عمّال المرفأ مجتمعين استقبال سفينة تركيّة محمّلة بالأسلحة متّجهة إلى كيان الاحتلال. السفينة “أزياتيك آيلاند” التي أبحرت من ميناء مارسيليا في فرنسا وكانت تتجه إلى ميناء أسدود في فلسطين المحتلة، تعود ملكيّتها إلى رجل الأعمال التركي متين كالكافان أحد أقرباء الرئيس التركي رجب طيّب أردوغان وكانت قد أبحرت سابقاً تحت اسم “مراد”، كانت تحمل أسلحة فرنسية المصدر إلى كيان الاحتلال. كان من المقرر أن تصل السفينة إلى فلسطين المحتلة في 19 أيار ولكنّ رفض عمّال مرفأ ليفورنو استقبالها وتفريغ حمولاتها وتزويدها بالوقود جعلها تتأخر عن برنامج رحلتها الذي كان يتخلله أيضاً محطة في ميناء مرسين التركي في الوقت الذي كانت فيه محملة بالأسلحة لقتل الشعب الفلسطيني.

من التصاميم التي انتشرت حول الحدث

تصرّف عمّال مرفأ نابولي الإيطاليين لاقى تفاعلاً كبيراً في أوساط الشعوب المتضامنة مع فلسطين كما في فلسطين نفسها التي عبّر شعبها عن امتنانهم لهذه الوقفة النبيلة وتمنّى أحد الغزّاويين لو أنّ كلّ الشعوب تقوم باتّخاذ هكذا موقف لكان ميزان الصراع كلّه تبدّل لصالح الأبرياء الذين يقتلون في غارات الاحتلال وقصفه المدفعي، ولكن الاحتلال ارتدع عن المضيّ في حربٍ تجعله معزولاً على المستوى الدولي.

هذا الموقف التضامني الفعّال أعاد التأكيد والاعتبار لكون العمل الشعبي المبادر والمنبثق من إرادة الناس وعفويّتهم وأطرهم المحليّة والجزئية قد يثمر بشكل أكبر بكثير من مواقف دولية رسمية فضفاضة وإعلامية ليس لها قيمة فعلية على أرض الواقع سوى حصد التأييد الشعبي. فهذه حكومة تركيا التي تجاهر وتفاخر بدعمها لفلسطين وإيوائها لقادة من المقاومة، ويخرج رئيس حكومتها بتصريحات نارية دعماً للقدس والأقصى وغزة والشعب الفلسطيني، يقوم أحد مواطنيها المقرّبين من الحكم وذوي الصفة السياسية بنقل أسلحة لكيان الاحتلال في وسط الحرب، وعبر الأراضي التركية وعلى متن سفينة تركية، بينما تقوم قوّة نقابية شعبية محلّية في نابولي الإيطالية، ورغم كون الدولة الإيطالية بموقفها الرسميّ داعمة للاحتلال وتتبنّى الطرف الإسرائيلي في الصراع، بتعطيل برنامج سفينة السلاح والقيام بما يقدرون عليه دعماً لفلسطين ورفضاً لجعلهم شركاء في سفك دماء الفلسطينيين الأبرياء.

في ما يلي بيان القوى النقابية في مرفأ ليفورنو، نابولي الذي أصدرته توضيحاً لما جرى، مترجماً إلى اللغة العربية:

“عمال ميناء نابولي ضد الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني


عمال ميناء نابولي من نقابة سي كوباس ينضمون للنضال ضد عبور الأسلحة عبر موانئنا.
إنّ هذه الأسلحة تساهم في تغذية الأرباح والحروب ضد الشعب الفلسطيني، والذي عانى لعقود من قمع وحشي على يد دولة إسرائيل. وفي الأسابيع الأخيرة، أدى هذا القمع لطرد أسر عربية من منازلها في شرق القدس، وأدى إلى قصف غزة وقتل المئات، بما فيهم عشرات من الأطفال. وجاء هذا القمع الأخير كرد على العصيان الشعبي الذي اندلع في كل الأراضي المحتلة. 


نحن، وبشكل غير مشروط، نقف بجانب الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال وضد العدوان الصهيوني على غزة. نحن ندين تواطؤ الحكومة الإيطالية وكل القوى البرلمانية -تقريبًا- مع العدوان الإسرائيلي. ونستنكر الموافقة الصامتة للحكومة الإيطالية على عبور أسلحة الحرب الإسرائيلية من خلال موانئنا.

 لن تلطخ أيدينا بالدماء بمساندة حروبكم.
عمال سي كوباس بميناء نابولي”

وهذا أيضاً بين المساندة للإضراب العام الذي حصل في فلسطين المحتلة احتجاجاً على جرائم الكيان بحقّ الفلسطينيين في القدس وغزة والضفة والداخل في 18 أيار، مترجماً إلى العربية:

“نتضامن بشكل كامل مع الإضراب العام للبروليتاريا الفلسطينية!

يعرب عمّال اتّحاد النقابات العمالية سي كوباس عن تضامنهم الكامل مع نضال الشعب الفلسطيني ضدّ “دولة إسرائيل” الظالمة، ومع الإضراب العام الذي دعا إليه الفلسطينيون اليوم 18 مايو، والذي نأمل أن يحقق نجاحًا كبيرًا.

من جانبنا، نظمنا / شاركنا في عدة مدن إيطالية (من ميلانو إلى بولونيا إلى البندقية إلى نابولي) في مظاهرات تضامن مع الشعب الفلسطيني، ضد “دولة إسرائيل” والمجازر والدمار في غزة، وضد التطهير العرقي الذي تقوم به في القدس والأراضي المحتلة، ضد المذابح المعادية للعرب من قبل عصابات المستوطنين، وقبل كل شيء ضد التواطؤ والدعم الذي قدمته الحكومة الإيطالية والدولة الإيطالية للاستعمار الإسرائيلي منذ عقود.

نحن ضد كل أشكال الاضطهاد، سواء من قبل الرأسمالية على الطبقة العاملة، أو من قبل دولة رأسمالية على شعب بأكمله، كما يحدث في فلسطين.

بصفتنا نقابة عمالية متعددة الجنسيات، تضم العديد من العمال العرب من بين أعضائها، فإن مسألة تحرير الشعب الفلسطيني لأرضه لها مكانة خاصة في قلوبنا.

نحن ملتزمون بكلّ قوتنا لضمان أنّ الحركة العمالية الدولية تدعم نضال الشعب الفلسطيني، لأن عمال جميع البلدان فقط هم من يمكن أن يكونوا حلفاء حقيقيين ومخلصين للشعب الفلسطيني، الذين لا يلعبون أي لعبة على حساب ودم الفلسطينيين، على عكس القوى الإمبريالية العظمى والعديد من الدول العربية ودول الشرق الأوسط التي تضطهد عمالها، وتضطهد شعوباً أخرى بكاملها، وقد تخصصوا في هذه الألعاب.

سي كوباس”