سؤال يحيّرنا نحن الذين رحلنا بعيداً عن عالم الأحياء واخترنا الحياة الأبدية، تلك التي لا نشعر فيها بألم الذل والإهانة، بوقفة الانتظار عند كل حاجز، بحاجتنا إلى معجزة إلهية تأتي لتغيّر قوانين القوى في هذا العالم السيء وتنصر الضعيف. ربّما اخترنا ألاّ ننتظر المعجزة وأن نقوم بها نحن. نحن الذين لا نشبه أهل الأرض بشيء، حاولنا ولو بقدرٍ بسيط أن نكون التغيير الذي من شأنه أن يبدّل أقدار أمّتنا ويحسّن أحوالها.

في اليوم الثاني والعشرون من شهر تشرين الثاني، وقبل أربع سنوات، كنت بينكم أتنفس الهواء الذي تتنفسون، وأسير في طرقات الضفة الغربية كما تفعلون، ألعن الاحتلال مرة ثم أعيد لعنه آلاف المرات بعد كل خبر اعتقال لأسير، أو استشهاد لفتاة أو شاب في سبيل هذه الأرض. لم أكن مختلفة عنكم بشيء. أحبّ العصافير ولطالما أحببت منظرها وهي تطير في السماء حرّة من دون حدود أو حواجز، وتمنيت مرات عديدة أن أكون مثلها، وطلبت من الله، دعوته كثيراً أن يجعلني طائراً أحط في أيّ مكانٍ أريد. اشتقت إلى قططي كثيراً، إلى الاعتناء بهم، ومشاكستهم، ومشاكلي مع أمي الحبيبة عندما تبدأ واحدة منهم في تخريب اثاث المنزل.

الموسيقى كانت طريقتي بالهروب، وملجئي إلى مكان آخر أشعر به بالأمان والسكينة والسلام. أما قراءة الكتب فقد كنت أعشقها. كانت ملاذي ايضاً في هذا العالم وطريقتي لأن أختبر العيش أكثر من مرّة وفي أكثر من مكان. أعتقد بأن أمّي وصديقاتي لا يزالون يذكرونني في كلّ مرّة يقرأون فيها شيئاً لتشي جيفارا أو تمرّ صورته أمامهم. الإذاعة المدرسية، هي أكثر ما اشتقت إليه هنا، كانت طريقتي في التعبير عن كل شيء يدور في هذا العالم. لا يهم، لقد تركت كل شيء هنا وذهبت آمنة مطمئنة إلى يديّ الله، ربّ كل هذا الكون، وأدرك في قرارة روحي أنّه ملجئي الوحيد وصاحب العدل المطلق الذي لن يترك حقي دون أن يأخذه من أعين المحتل.

ستة عشر عاماً قضيتهم معكم وبينكم، عشت في مخيم عسكر في نابلس، وبالقرب من حاجز حوارة صعدت روحي إلى السماء. تسع رصاصات أصابت جسدي الهشّ، وأخذتني منكم، لم يسرق المحتل اعضاءً من جسدي يا أبي، لكنّهم سرقوا الكثير من قلبي مع كل خبر لشهيد أو أسير أو اقتحام أو انتهاكات لشعبنا.

تشييع الشهيدة أشرقت قطناني

لا أريد أن تبكوني في الأيام القادمة، أريدكم فقط ان تذكرونني مع الشهداء وألا يغيب عن بالكم أنّني وإخوتي الذين سبقوني أو لحقوا بي من الشهداء لم نكن يوماً أرقاماً، بل كنّا نحبّ الحياة مثلكم بطريقتنا الخاصة. أذكرونا في كل مرّة تسمعون فيها أسم شهيدٍ منّا وقولوا بأننا شعبٌ لا ينسَ شهداءه يوماً.