الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين

من مليتا إلى فلسطين.. مع الحبّ

(هنا في هذه الأرض التي تقفون عليها، هنا قاتلوا وصمدوا تحت الغارات الجوية والقصف المدفعي. هنا صلُّوا ودَعَوا وناجَوا ربَّهم.. هنا كانت أرواحُهم حبلاً متصلاً بين الأرض والسماء لا ينقطع. حبلاً من نور وأمل وعشق وحبّ ورجاء. هنا منذ البداية – وهو الأساس – أرضُ المعرفة واللهفة والعبادة والحبّ والشوق والعشق. وهنا أرض الجهاد، جهاد النفس.. وجهاد العدو الذي أراد إذلالَ أمتنا واحتلالَ أرضنا وقهْر َإرادتنا.. هنا بعضُ حكاية الأرض للسَّماء).

هنا “مليتا”.. عشّ الطائر الحرّ، المحلِّق بقوة أرواح الشهداء. هنا عيناه الثاقبتان المتسعتان لمراقبة ما بين يديه وما خلفه حذراً من عدوٍ لم يعرف النُبْلَ ولا الشهامةَ ولا الشَّرف في حَربه ولا في سِلمه يوماً من الأيام.

هنا غابات البلوط التي اكتنفت شباباً في ريعانة الصِّبا، لهم قلوب كالزهور البرية رقةً وريحاً طيبةً عَبِقة، وعزيمة صُلبة كصلابة صخور جبل الريحان وسُجُد وجبل صافي والعديسة وتلة الدبشة والجبل الرفيع.

شبابٌ لم يتخرجوا من الكليات العسكرية؛ ولكنهم قارعوا وهزموا أكثرَ جيوش الأرض غطرسةً ووحشية.

شبابٌ لم يدخلوا الخلَوات ولا ارتادوا التكايا الصوفيَّة؛ ولكن روحانية جبل عامل أوقدت جذوة الحبِّ في قلوبهم، وخلطت أنفاس “السجَّاد” بشغاف قلوبهم، فكانوا حقّاً كما قيل: رهبان الليل فرسان النهار.

هنا في “مليتا”، بعد أن تحررت بسنوات، وطهّرتها سواعد الأبطال، وتحوّلت إلى متحف مفتوح، يروي بعض أسرار الحكاية، ويقصُّ للتاريخ بعض سيرة أولئك الأبرار؛ هنا في “مليتا” رأيتهما معاً.

كانا يسيران في مقدمة الزوار الذين قَدموا من أطراف الأرض كلِّها. زوَّار مختلفين لغةً وقوميةً وديناً وجنسيةً، ولكنْ جمعتهم فلسطين، وألَّفت القدس بين قلوبهم.

كانا يتقدمان الزائرين وقد أخذت اليدُ باليد، وتناثرت فوق رأسيهما خيوطُ الشمس المتسللة على استحياءٍ من بين أغصان البلوط والحراج المتشابكة.

فاجأني مشهدهما البديع، وقد أخذ يسحبُها صعوداً ليُعينها على ارتقاء درجات المسار الحجري الذي مهّدته مِنْ قَبْلُ خبطةُ أقدام المجاهدين، وبعثت الطراوةَ فيه قطراتُ العرَق المتصبِّبة من جبينهم المشرق شرفاً وكرامة.

عرفتُه وعرفتُها منذ سنوات؛ شاباً وفتاة دؤوبين عاملَين في الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين، التي جمعتهما على العمل من أجل القضية الأم، والعشق الأكبر للأمة “فلسطين”؛ ومن رحم ذلك العشق ولدت حكاية حبِّهما، التي تعرّفت إليها، سعيداً بها، وأنا في أرض الحبّ والجهاد والمعرفة “مليتا”.

تأملتْ في وجهين مُشرقين، وعيونٍ تنبعث منها بوارق الأمل ولهفة الودّ، ويكلل ذلك كلَّه حياءٌ فطريّ لشباب طاهر نظيف.

ولكن تلك الصُّفرة التي علَتْ وجه “مريم” أقلقتني؛ فلا شكَّ في أنها قد نسيتْ الاهتمام بنفسها، أو تناولَ ما يجبُ تناوله من غذاء، وغفلتْ عن ذاتها في زحمة الأيام الطويلة من الإعداد المضني للملتقى، ومن المتابعة الدؤوبة للمشاركين فيه.

سألتُها: منذ متى لمْ تأكلي؟ فأجابتني بما يحقِّق صدقَ ظني. توجَّهت إلى الطيِّبة “أم علي” الحافظة لتراث فن الطبخ اللبناني الفريد، وساررتها بما في خاطري، أن تهتمّ لغذاء أمِّ المستقبل “مريم”.

ألمْ يهتمّ الروح القدُس نفسه بغذاء “مريم الكبرى” – أمِّ السيد المسيح – مِنْ قَبْلُ، مرَّتين؟ مرةً أولى في يفاعتها: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا. قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللهِ؛ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. ومرةً ثانيةً بعد وضْعها، لمـَّا أوصاها: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾.

فماليَ لا أتخذُ الروحَ القدُسَ لي أسوةً فأهتمَّ لأمْرِ مَن تعمل لأجل فلسطين، كما اهتمَّ هو لمريم عليها السَّلام، التي لم تنجبْ أية أرضٍ مثلَها؛ إلا فلسطين؟

فلسطين، يا فلسطين، كم أنت غنيَّة يا فلسطين، وكم نحن مفتقرون إلى عطاءاتك، منك بداية الحبّ، وليس له عندك نهاية؛ وعيونك هي كل الحكاية.

بقلم الأستاذ الشّيخ محمّد أديب ياسرجي- عضو الحملة العالمية للعودة والملتقى العلمائي العالمي من أجل فلسطين – 23/3/2018

 

شارك هذه الصفحة, واترك رأيك حول الموضوع باستخدام وسيلة التواصل التي تناسبك!

اضف تعليقا

اذهب إلى الأعلى