للهِ رجالٌ أبوا أن يصرفهم اللّيلُ ويغيبوا في لُجج الماضي أو يطويهم النّسيان، فخطّوا أسماءهم على كُتب الخلودِ ببطولاتهم وبسالتهم! ما إن نذكر الانتفاضة الثّانية (انتفاضة الأقصى) التّي اندلعت في ٢٨ سبتمبر من العام ٢٠٠٠ وانتهت فعليًّا في ٨ فبراير من العام ٢٠٠٥، حتّى يتأتّى إلى أذهاننا اسم مقاومٍ مقدام أذاق العدوّ طعم الذّلّ والهوان: “محمود طوالبة”! أبوعبدالله.

الشّهيد محمود طوالبة (١٩٨٠_ ٢٠٠٢)، هو قائد سرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأحد أبرز قادة معركة الدفاع عن مخيّم جنين! عمل طوالبة كَموسيقيّ، وهب الحُبّ والحياة لكلّ من مرّ بمعزوفاته، دونَ أن ينسى يومًا أنّ لكل حربٍ سلاحها، فإن كان سلاحُ شؤم الحياة بعضٌ من جرعات الموسيقى الباعثة للسّلام، فإنّ سلاحَ الحروبِ في سبيلِ الحريّة هو مقطوعاتٌ من سيمفونيّة المقاومة حتّى الشّهادة، مطلعُها أزيزُ الرّصاص، ولحنها دويّ المتفجّرات والعبوات النّاسفة التّي احترف تصنيعها!

فاليد التّي عزفت برقّة، صنّعت الكرامة بدقّة!

وكان البطل المجبول من ترابِ أرض فلسطين أبيًّا مثلها، لا يهدأ ولا يكلّ، همّه كيفية اخراج الاحتلال من أرضه واعادة الأمن والسّلام إليها، ولو كان “ثمن الحريّة الحمراء دم النّحور”، وقد أبدى ذلك في مقابلةٍ أجريت معه فقال فيها:

“طالما هم في قلب بيتنا، أبدًا ما حيلاقوا أمان، حتّى لو اعتقَلوا، حتّى لو اغتالوا، بيروح جيل بيجي جيل!”

بدأت معركة جنين في أوّل أبريل من العام ٢٠٠٢ التّي شنّها العدو الإسرائيلي وسرعان ما تحوّلت إلى حرب شوارع، كان أبرز أهداف العدو في ذلك الحين القضاء على محمود طوالبة، الرّجل الباسل الذّي أذاقَ مغتصبَ أرضه طعم المذلّة والهوان والذّي كان يؤمن بفكرة “موازنة الرّعب” مع العدو بدلًا من موازنة العدّة والعتاد، وفي سبيل برهنة ما آمن به كان يجهّز الفدائيين ويرسلهم إلى داخل الخطّ الأخضر، وقُدّر عدد العمليّات بأكثر من ١٥ عمليّة فدائيّة كبّدت العدو خسائر فادحة..

دامت هذه المعركة ما يقارب الخمسة عشر يومًا، قاتلَ فيها طوالبة ورفاقه مقاتلة الفرسان الشّجعان، باعوا لله جماجمهم ورفضوا الخنوع والخضوع حتّى الرّمق الأخير، كيفَ لا؟! وقائدهم صاحب المقولة البطولية “المعركة كرّ، فش فيها فرّ”! فدافعوا عن المخيّم ببسالة وشجاعة، وأوقعوا القتلى والجرحى في صفوف جنود الاحتلال، حتّى نفذت ذخائرهم، فشخّص العدو مكان تواجد طوالبة عُقب الكمين البطولي الذّي نفّذه المجاهدون ضدّ الجيش الاسرائيلي، وصبّ جحيم ناره على مكان تواجده، فارتقى ومن معه إلى الملكوت الأعلى، حيثُ الرّاحةُ والسّلام، وخُلّدوا في طيّات قراطيس البطولات كنماذج وُجب الاقتداء بها!

وحتّى لو غفى القمرُ على كتفِ السّماء يبقى حقُّه علينا أن نعرفه، ونقتفي أثره، ونكتب له وعنه، علّ حروفنا تكون سديمًا في دياجير شخصٍ ما، تهديهِ السّبيل!


زينب الموسوي| ناشطة لبنانيّة