“لقد عاد النور ليسطع من القدس مجدداً”

بقلم فيروز ميثيبوروالا – المؤسس والرئيس الإقليمي لمنتدى التضامن بين الهند وفلسطين/ عضو الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين

ها هي الاحتفالات تندلع في جميع أنحاء غزة والضفة الغربية وشرقي القدس، في جميع أنحاء فلسطين التاريخية. ومن الواضح أنه بعد حرب 11 يوماً، ظهرت المقاومة الفلسطينية أقوى، مع دعم عالمي أوسع وأكثر انتشاراً.

أدّى نضال الشعب الفلسطيني لحماية حيّ الشيخ جرّاح من التطهير العرقي ضدّ الفلسطينيين والدفاع عن المسجد الأقصى من الاعتداءات والتدمير المستمر من قبل المتعصبين اليهود الصهاينة، إلى هبّة موازية على مستوى حركات التضامن العالمية في جميع أنحاء العالم. استراتيجيات نتنياهو الاستعراضية التي أدّت إلى هذه الانتفاضة والحرب التي تلتها ومن ثمّ نصر غزة، تفضح كونه في حالة يرثى لها سياسياً وشعبياً. نتنياهو في حالة يأس من قدرته على الحفاظ على موقعيته السياسية والتمسك بالسلطة، وهو بهدف تعزيز فرصه الانتخابية أضعف “إسرائيل” بشكل كبير سياسياً، كما كشف نقاط الضعف العسكرية لإسرائيل أمام أعدائها.

من الجدير بالملاحظة أنّه، على عكس المرات السابقة، لم يكن لدى نتنياهو والجيش الإسرائيلي الشجاعة لشنّ غزو بري، كانا يلجآن إليه دائماً في الماضي. كانت الدبابات والمشاة مصطفين على الحدود الشمالية والشرقية من غزة لكنهم لم يضعوا إصبع قدمهم داخل الأراضي المحررة، وهذا دليل فقط على قوة المقاومة داخل غزة والتناقص السريع للآلة العسكرية الإسرائيلية، والجنود الإسرائيليون يظهرون شجاعتهم فقط عندما يهاجمون الفلسطينيين العزل ويطلقون النار عليهم! غزة هي الحي اليهودي في وارسو والاسرائيليون هم النازيون في عصرنا!

منذ عام 1982 عندما اجتاحت “إسرائيل” لبنان، استغرق الأمر 18 عاماً للمقاومة الوطنية اللبنانية، بقيادة حزب الله وأمل والشيوعيين وغيرهم، لهزيمة وطرد الجيش الإسرائيلي في مثل هذه الأيام في 25 أيار. وهكذا، كان عام 2000 نقطة تحول رئيسية في التوازن الاستراتيجي عبر المنطقة.

وأعقب ذلك تحرير غزة بين 2003-2005 بقيادة المقاومة الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها حماس، بما في ذلك فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وقوى أخرى، مما شكل هزيمة كبيرة للإسرائيليين. حيث انسحبوا من الأراضي المحتلة لأول مرة منذ عام 1948. وهكذا تحررت غزة، وهي قطعة صغيرة من الأرض، وجزء من فلسطين.

لاحظ، بعد 1967، عندما هزمت “إسرائيل” 4 جيوش عربية في 6 أيام، منذ تلك الفترة التي يفترض أنها لا تقهر، تغير المدّ بشكل كبير منذ ذلك الحين. في الواقع، بين 1967 إلى 1973 نفسها (حرب الاستنزاف)، خلال حرب يوم الغفران، هزم الجيش المصري الإسرائيليين واضطروا إلى إعادة صحراء سيناء، على الرغم من أنّ “إسرائيل” انتصرت هنا من خلال معاهدة سلام توسّطت فيها الولايات المتحدة مع مصر، مما أدى فعلياً إلى تحييد أكبر جيش عربي من الصراع.

ثم في عام 2006، في الحادي عشر من تموز (يوليو)، غزا الإسرائيليون لبنان مرة أخرى بهدف هزيمة حزب الله وقوات المقاومة التي كانت تسكن في جنوب لبنان، على الحدود مع “إسرائيل”، أو بالأحرى فلسطين المحتلة عام 1948.

قامت “إسرائيل” بالغزو بـ 20000 جندي مشاة ودبابات وسفن حربية وطائرات مقاتلة وصواريخ كروز وجميع الأسلحة الأمريكية الحديثة الممكنة. لقد كانت حرباً شاملة. ولكن بعد حرب استمرت 34 يوماً، وقفت “إسرائيل” مهزومة على يد حزب الله بقيادة المقاومة الوطنية اللبنانية على الرغم من هذا الهجوم الضخم، ولم يتمكن الإسرائيليون من السيطرة على شبر واحد من الأراضي اللبنانية. وفي اليوم الأخير، فقد الإسرائيليون 34 دبابة متقدمة تمّ قصفها بصواريخ كورنيت روسية الصنع. شبكة الأنفاق تحت الأرض، وحقيقة أن المقاتلين اللبنانيين تلقّوا تدريباً جيداً وكانوا نعم، أكثر شجاعة، بينما اعتمد الإسرائيليون أكثر على أسلحتهم عالية التقنية من الولايات المتحدة، كانت جميعها عوامل أدت إلى هذه الهزيمة الكارثية لإسرائيل.

كانت هذه نقطة تحول تاريخية للمقاومة، حيث كانت هذه نهاية هيمنة الجيش الإسرائيلي، ولم يعد بإمكان “إسرائيل” أن تأمل في تسوية الأمور السياسية باللجوء إلى الوسائل العسكرية، فقد ولت تلك الأيام.

هذه نقطة تحول تاريخية للمقاومة، حيث كانت هذه نهاية هيمنة الجيش الإسرائيلي، ولم يعد بإمكان “إسرائيل” أن تأمل في تسوية الأمور السياسية باللجوء إلى الوسائل العسكرية، فقد ولت تلك الأيام.

ظهرت الآن مرحلة جديدة من الصراع، مع تحول ميزان القوى الاستراتيجي نحو القوى الإقليمية، تلك الملتزمة بإنهاء الاحتلال الإمبريالي الصهيوني للمنطقة.

بعد عام 2006 ظهر تحالف واضح بين “إسرائيل” والولايات المتحدة والسعودية، ثم بدأت الحروب على ليبيا وسوريا واليمن وازداد استهداف إيران.

كانت سوريا هدفاً خاصاً للصهاينة، فهي توفّر الملاذ الأكبر للمقاومة الفلسطينية وللاجئين الفلسطينيين أيضاً. دخلت روسيا ساحة الحرب في تشرين الأول / أكتوبر 2015 لدعم الأمة السورية، وهو ما شكّل صعوداً حاسماً للدور الروسي في الشؤون الجيوسياسية، لم تشهده روسيا منذ بدء انهيار الاتحاد السوفياتي في 1989-1990.

في غضون الأشهر الثلاثة الماضية، تلك الدول العربية التي ساهمت في الحرب على سوريا، وهي السعودية والإمارات وقطر وغيرها، تقوم الآن ببناء علاقات مع سوريا. كما أدّت الحرب السعودية على اليمن أيضاً إلى تسريع هزيمة الكتلة السعودية – الإماراتية – الإسرائيلية – الأمريكية – البريطانية – الفرنسية: على الرغم من استمرار تركيا والولايات المتحدة في إحداث الفوضى في سوريا، لكن الجيش السوري تسلّم زمام الأمور في معظم الأراضي والمدن السورية.

اليوم، تنسحب الولايات المتحدة من كل من العراق وأفغانستان، بعد أن حققت انجازاً كبيراً وهو تدمير دولتين والإبادة الجماعية للسكان. سيتعين على الدول الإقليمية المحيطة بأفغانستان أن تعمل عن كثب لتحقيق الاستقرار والمساعدة في إعادة بناء الدولة ومقوّماتها، أي روسيا والصين وإيران وباكستان والهند وغيرها.

ومن المثير للاهتمام أن أكبر خط صدع، وهو الانقسام السعودي الإيراني، يشهد أيضاً حواراً يؤدي بالفعل إلى تطورات سياسية إيجابية في سوريا واليمن. وحقيقة أن السعوديين قد تواصلوا أخيراً مع إيران، والتي كانت دائماً منفتحة على الحوار. نطمح أن يؤدي هذا الحوار في النهاية إلى تحييد الاستراتيجية الإسرائيلية الأمريكية المتمثلة في لعب الورقة السنية الشيعية لتقسيم المنطقة، وهنا يجب أن تلعب بغداد أيضاً دوراً رئيسياً في تسهيل هذا الحوار المهم بنجاح.

وهكذا دخل السعوديون وإيران في حوار، وكذلك تركيا ومصر. كما دخل السعوديون وتركيا في حوار. ماذا يهمّنا ذلك في ما يخصّ فلسطين؟ حسناً، إنّ أيّ استقرار على مستوى القوى الإقليمية وأيّ تعاون بينها هو بالفعل أخبار سيئة للإسرائيليين والولايات المتحدة، وخبر جيّد وعظيم بالنسبة للفلسطينين وللمقاومة الفلسطينية.

إنّ أيّ استقرار على مستوى القوى الإقليمية وأيّ تعاون بينها هو بالفعل أخبار سيئة للإسرائيليين والولايات المتحدة، وخبر جيّد وعظيم بالنسبة للفلسطينين وللمقاومة الفلسطينية.

إنّ هذا الحوار،أوّل ما يقضي عليه، هي مفاعيل صفقة القرن التي أبرمها ترامب، والتي أصبحت الآن بعد حرب غزة وهبة القدس وانتفاضة الداخل في حالة يرثى لها.

إن حقيقة عودة الولايات المتحدة الآن إلى الحوار مع إيران للتفاوض مرة أخرى بشأن البرنامج النووي الإيراني، هي أيضاً تطور إستراتيجي ذو أهمية كبيرة.

وهذا يثبت مرة أخرى صمود وقوة كتلة المقاومة، وهي اليمن وإيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين، مما يكرّس نموذجاً سوف تنجذب إليه الآن المزيد من الدول والقوى المناهضة للاستعمار في المنطقة.

وهكذا فإن المرحلة المقبلة من النضال من أجل تحرير فلسطين تستند إلى واقع مبشّر بالخير، وأفق مشرق، وستؤدي إلى تغييرات جيوسياسية واستراتيجية كبيرة في ميزان القوى في جميع أنحاء العالم.

أود أن أقول أخيراً، في تحرير فلسطين يكمن تحرير العالم، في قيامة فلسطين، قيامة العالم. ونعم، أحبّ هنا أن أقتبس من الآية المعروفة في الإنجيل – “لقد ظهرت القدس مرة أخرى على أنها “نور للأمم”!

مومباي، الهند