كيف دفعت زيارة الثائر الأحمر إلى غزة القضية الفلسطينية نحو العالمية؟

شكلت زيارة تشي جيفارا لغزة عام 1959 أول علامات تحول الاستعمار الصهيوني لفلسطين من صراع إقليمي عربي-إسرائيلي إلى صراع عالمي ضد الاستعمار ومخلّفاته.
عقد مؤتمر باندونغ في عام 1955 ونتج عنه حركة عدم الانحياز. فبرز الرئيس الثوري المصري جمال عبد الناصر، الذي وصل الى الحكم سنة 1952، قائداً من قياديي الحركة العالمية، إلى جانب الرئيس الهندي نهرو واليوغوسلافي تيتو.
ساهم عبد الناصر من خلال شخصيته الفذة ومكانته العالمية، بإبراز نتائج جرائم الحركة الصهيونية، وبتسليط الضوء على نكبة الشعب الفلسطيني ومعاناته.
وكانت غزة، التي خضعت لسلطة “الجمهورية العربية المتحدة” حينها، هي بقية فلسطين التي صمدت بيد العرب، واعتبرها عبد الناصر جزءاً من الأمن القومي المصري بشكل خاص.

جيفارا في غزة مع مسؤولين مصريين وقادة الفدائيين 1959


ضمّت أرض غزة منذ نكبة ال48 عشرات مخيّمات اللاجئين الهاربين من الأراضي المحتلة ومجازر العصابات الصهيونية بحق 250 قرية في جنوب فلسطين، وصارت رمزاً للمأساة الإنسانية على مستوى العالم.
أمام كل هذا الإرهاب الممنهج، نشأت حركة مقاومة شعبية فلسطينية عرفت باسم الفدائيين. كان هؤلاء المقاومون يجتازون خطوط الهدنة لمهاجمة المحتلين الصهاينة، وفي مواجهتهم، قامت قوات الاحتلال بمهاجمة غزة ومخيمات اللاجئين فيها وارتكاب مجازر لإرعاب الفلسطينيين، كان أبرزها عمليات المجرم آرييل شارون ووحدته في 1953 و1955 ضدّ اللاجئين وضدّ الجنود المصريين.
وسط هذه الظروف، وقّع الرئيس المصري جمال عبد الناصر أول صفقة تسليح مع الكتلة السوفيتية للحصول على أسلحة رفض البريطانيون تزويد مصر بها. كما أجاز المقاومة الفدائية من خلال تنظيمها رسمياً تحت قيادة العقيد مصطفى حافظ.


في 29 أكتوبر 1956، غزت إسرائيل سيناء بالتواطؤ مع بريطانيا وفرنسا. وقعت مذابح في خانيونس ورفح راح ضحيتها أكثر من ألف شاب فلسطيني.
هذه المجازر كانت نقطة تحوّل في لفت أنظار العالم إلى وجود تطهير عرقي وعنصرية يمارسها المستعمرون الصهاينة.
ووسط هذا المشهد الكبير، زار الثائر الكوبي والمناضل العالمي تشي جيفارا فلسطين.

كان اعتراف رمزٍ للتحرر العالمي بالقضية الفلسطينية يضمن تعريفها إلى عشرات الملايين حول العالم كقضية نضال ضد الاستعمار والعنصرية


كانت زيارة جيفارا بالغة الأهمية. كانت هذه هي المرة الأولى التي يأتي فيها ثوري شهير ليرى الدمار الذي أحدثته النكبة.
كان اعتراف رمزٍ للتحرر العالمي بالقضية الفلسطينية يضمن تعريفها إلى عشرات الملايين حول العالم كقضية نضال ضد الاستعمار والعنصرية.
جيفارا الذي نسّق زيارته إلى غزة الرئيس عبد الناصر وصحبه فيها، استُقبِلَ بحماسٍ من قبل قادة المقاومة الفدائية، وصحب جيفارا في رحلته معاونه الشخصي ومسؤول العمليات الحربية الكوبية الجنرال كابريرا.
وحين زار مخيم البريج، أراد بعض المرافقين أن يبينوا له المعاناة الفلسطينية، فردّ جيفارا بالقول: “لدينا حالة فقر أسوأ في كوبا”. “يجب أن تريني ما فعلته لتحرير بلدك. أروني المعسكرات التدريبية؟ أروني مصانع السلاح؟ أين مراكز تعبئة الفدائيين؟”
أكّد جيفارا للّاجئين الفلسطينيين أنه يجب عليهم مواصلة النضال لتحرير أرضهم. وأنّه لن يكون هناك من سبيل سوى مقاومة الاحتلال.

أكّد جيفارا للّاجئين الفلسطينيين أنه يجب عليهم مواصلة النضال لتحرير أرضهم. وأنّه لن يكون هناك من سبيل سوى مقاومة الاحتلال.


وبعد هذه الزيارة، أصبح جيفارا رمز المقاومة الفلسطينية والنضال من أجل الحرية. وكانت تلك بداية علاقة وثيقة لأمريكا اللاتينية الثورية مع ناصر والفلسطينيين.
ولا زالت إلى اليوم مواقف شعوب ودول أميركا اللاتينية المناهضة للاحتلال والمتضامنة مع القضية الفلسطينية تدين بشكل كبير إلى هذه الزيارة، التي ساهمت بلا شكّ في جعل فلسطين اليوم رمزاً عالمياً للنضال والتحرر ضدّ آخر مشروع استعماري عنصري في العالم.