خالد عودة الله – كاتب وباحث فلسطيني

يستهدف الاحتلال بجنوده ومستوطنيه باب العامود لكونه بؤرةَ الحياة الاجتماعيّة والسياسيّة في المدينة. وبينما تسكن الحركة مساءً في كلّ أحياء المدينة، تبقى منطقة باب العامود وامتدادها الشماليّ (حي المصرارة) عامرةً حتّى ما بعد منتصف الليل. فلمجرد كون منطقة باب العامود حيّزاً للحياة الاجتماعيّة النشطِة، خاصةً للفئة الشبابيّة، يعتبره الاحتلال بؤرة تهديدٍ دائمةً وخطراً محتملاً يجب السيطرة عليه وإخضاعه لنظامه الذي يريد أن يفرضه على إيقاع الحياة في القدس زماناً ومكاناً. وبهذا، فإنّ إغلاق ساحة باب العامود منذ بداية شهر رمضان هو شروعٌ بفرض واقعٍ جديدٍ في باب العامود، ولا يتعلّق بترتيباتٍ أمنيّةٍ مؤقتة.

(2)

تجرّأ الاحتلال على الشروع في تنفيذ مخطّطه في شهر رمضان، حيث يزداد باب العامود حياة، وخاصة في ساعات ما بعد الإفطار، بناءً على تقديره بأنّ المدينة المرهَقة اقتصاديّاً واجتماعيّاً بسبب حالة الشلل التي اعترتها مع جائحة الكورونا لن تذهب إلى مواجهةٍ جادّةٍ طويلة، بما ينتج عنها من تبعاتٍ سلبيّة على الحركة التجاريّة في أسواق البلدة القديمة وحركة المصلّين المتعطّشين إلى المسجد الأقصى، ومراهناً على أنّ كلّ تحرّكٍ احتجاجيّ سيبقى منبوذاً ويتمّ التصدّي له من قبل المقدسيّين أنفسهم خوفاً على تضرّر مصالحهم. وبالفعل، تعالت بعض الأصوات في بداية الهبة رافضةً للحراك الاحتجاجيّ الشبابيّ بحجّة أنّ “المشاكل” سيكون لها تأثيرٌ سلبيّ على الوضع الاقتصادي وعلى العبادة في الشهر الفضيل. ووصلت في بعض الحالات المتطرّفة بوصف الحراك بأنّه حراك “مشبوه”، وأنّ الفاعلين فيه غير ملتزمين دينيّاً ولا يعنيهم أمر العبادة والصلاة.

من المهم هنا التفريق بين فئتين من مُطلقي هذا الموقف السلبيّ من الحراك، الأوّل: بعض تجّار البلدة القديمة وجموع المصلين (مع التنبيه بأنّه لا يُمكننا التعميم) والذين كان دافعهم الخوف المتفهَّم على تضرّر مصادر رزقهم، خاصةً بعد سنةٍ ونيّف من شلل الحركة التجاريّة في البلدة القديمة وانتظار قدوم الشهر الفضيل بفارغ الصبر، بما يرافقه من طفرةٍ في حركة مرتادي البلدة القديمة في طريقهم للأقصى ما يشكّل فرصةً لتحسن الحركة التجاريّة، وكذلك حال جموع المصلّين المتعطّشين لزيارة المسجد الأقصى والصلاة بعد طول حرمانٍ منه وإغلاقه بسبب جائحة الكورونا. هذه الفئة يجب علينا تفهّمها ومحاورتها بالمنطق وتوضيح خطورة ما يسعى إليه الاحتلال في باب العامود على المدى البعيد وما سيلحق بها من ضرر في حال نجاح مسعاه، وحال البلدة القديمة في مدينة الخليل وشارع الشهداء مثالٌ حاضر ومُقنِع، ومن ثمّ تقليل الضرّر قدر الإمكان بما هو تحت السيطرة ومحاولة القيام بمبادرات مساندةٍ لتعزيز الحركة الاقتصاديّة في البلدة القديمة موازيةٍ للحركة الاحتجاجية. كلّ ذلك لكي لا نجعل هذه الفئة فريسةً سهلةً للحرب الدعائيّة للمخابرات والطابور الخامس.

وأمّا الفئة الثانية  من هذه الأصوات فهي خليط من أصحاب الأجندات السياسيّة التي انطلقت من موقفها العدائيّ من رؤية ما يحدث يهدّد وضعها السياسي أو أنّ التوقيت لا يناسب أجندتها السياسيّة، خاصةً امتدادات السلطة والخائفين على “الانتخابات” وهذه الفئة يجب مواجهتها بصفتها فئةً مُرجِفةً ومُتخاذِلة.

(3)

من الخطورة بمكان توصيف معركة باب العامود بكونها معركةً بين المستوطنين “المتطرّفين” وبين السكان العرب؛ فالمستوطنون والشرطة يشكّلان ذراعين استعماريّين يعملان بالتناوب ويكمّلان بعضهما بعضاً. إذ توكل الشرطة للمستوطنين القيامَ بالعمل القمعيّ القذر “الخارج عن القانون” من تكسيرٍ وحرقٍ وترهيب، بينما تقوم هي بالقمع القانوني. ومن هنا، فإنّ توصيف المستوطنين بالقطعان، ولو على سبيل التحقير، هو توصيف مضلّل ويخدم المستعمِرين، فنحن في مواجهة مليشيات “مدنيّة” منظّمة ذات قرارٍ مركزيّ وهرميّةٍ قياديّة، ولا تُخفي نواياها السياسية. فهذه المليشيات تقوم بدورٍ وظيفيّ محوريّ في ماكينة الاحتلال في القدس، وهو دور تتعاضد في حمايته وتسهيل عمله كلّ أجهزة الأحتلال الأمنيّة والقانونية، ألا وهو الاستيطان، الذي تفقد بدونه “إسرائيل” معنى وجودها وهويتّها. والقمع الناعم من قبل الشرطة للمستوطنين هو للحفاظ على هذه الثنائيّة المتكامِلة، و لكي تظهر الشرطة بمظهر الحامي للعرب.

(4)

مع انطلاقة الهبّة، بدأ الاحتلال بشنّ حملة قمعٍ واعتقالات، وعنف الصدمة التي تلقّاها ستجعله يتغوّل في عمليات القمع هذه، وهذا يتطلب من الجميع عدم ترك المقدسيّين وحدهم في هذه المعركة. ولا يكفي التغنّي ببطولاتهم أو التضامن معهم، وإنّما علينا أن نتشارك في تحمّل أثمان الهبّة، وألّا ننسى قضيّة القدس والمقدسيّين بعد أن تتوقّف الأخبار العاجلة وحالة الاحتفاء، والتي يبدأ بعدها الاحتلال – وقد استخلص درساً ممّا جرى – بعملية قمعٍ منظّمة متعدّدة الجوانب وتمسّ جميع أنحاء الحياة. وتبقى القضية الأهم هي دعم الصمود المقدسيّ اجتماعيّاً واقتصاديّاً بعيداً عن الشعارات والرمزيات، ويتطلّب هذا رؤية تنمويّة مبنيّة على البحث والإبداع والابتكار. وهذا مكان القول إنّ القدس وهبّاتها أكبر وأسمى من أن يتمّ إقحامها في مهزلة الانتخابات، والتي يكمن معنى “الانتصار” فيها في القدس هو أن تسمح “إسرائيل” لمناضلين ومرتزقة التنافسَ على أصوات مقترعين، يُدلون بها في فروع بريد “إسرائيل” .

(5)

في العاشر من رمضان، دخلت الهبّة مرحلةً جديدةً تميّزت أساساً باتّساع رقعة المواجهات وعنفوانها، لتشمل كامل أحياء المدينة تقريباً، واستهداف البنية التحتيّة الأمنيّة للاحتلال ومستوطنيه. مع فورة العنفوان والكرامة، بدأ تصاعد الالتفاف الجماهيري حول الهبّة، حتّى أنّ المعرضين والمتجاهلين لها من شخصياتٍ وقيادات غيّرت موقفها على استحياء بعدما أحسّت بتغيّر المزاج الشعبيّ العام. يمكننا القول إنّ هبّة باب العامود حقّقت إلى حدّ الآن مجموعةً من الإنجازات، أهمّها أنّها وضعتْ حدّاً لحالة الموات السياسيّ النضاليّ في القدس، بعد تفرّد الاحتلال بالفعل دون مقاومةٍ جماعيّةٍ تُذكر خلال العامين الماضييْن. فقد أحكم الاحتلال قبضته على المدينة مستغلّاً حالة الطوارئ بسبب جائحة الكورونا، وتغوّل في سياساته التهويدية الاجتماعية والمكانية، التي تراوحت بين تكثيف عملية الاستيطان من خلال “تسريب” العقارات وتهجير حيّ الشيخ جراح وهدم البيوت وتكثيف الحضور الشُرَطيّ ومأسسة الاقتحامات للمسجد الأقصى وللبلدة القديمة، والمزيد من النجاحات في “أسرلة” التعليم والحيّز المقدسي تحت مسمّى التطوير الاقتصاديّ، كلّ ذلك مسنوداً بتحالفٍ خليجيّ تطبيعيّ يفعّله الاحتلال في معركة القدس لحسمِها لصالحه.

وثانياً: نجحت الهبّة في إفشال حملة الدعاية الاحتلاليّة الرمضانيّة في رسم صورةٍ للمدينة السعيدة كعاصمةٍ له تنعم بالسلام وحريّة العبادة في جوٍ كرنفاليّ مضاء بحبال الزينة وتهاني الشرطة ورئيس بلدية الاحتلال المعلّقة على أعمدة المدينة بقدوم الشهر الفضيل. عاد مشهد المدينة بعد الهبّة إلى حقيقته التي أراد الاحتلال حجبها؛ مدينة محتلّة تضجّ بأصوات القنابل والرصاص وثُكنة عسكريّة ومتاريس وحرائق ومواجهات وهتافات.

ومع هذه الإنجازات المتحقّقة، يبقى الهدف هو تحرير ساحة باب العامود من حواجز الاحتلال ومن ثمّ التواجد الحرّ فيه لأهل القدس متى وكيف شاؤوا، وهذا الهدف لا يقلّ أهميّةً ومصيريّةً عن إزالة البوابات الإلكترونية في هبّة باب الأسباط، وهناك مؤشّرات بأنّ تحقيق هذا الهدف بات قريباً؛ كما يؤشّر بدء ضبّاط شرطة الاحتلال بتقديم عروضٍ للتهدئة على الشباب المقدسيّ تتمثّل بنوعٍ من تقسيم منطقة باب العامود إلى ساحة ودرج، يُسمح للمقدسيّين التواجد في الساحة وممنوع عليهم التواجد على درج باب العامود. رُفضت هذه العروض وجاء الردّ اليوم بإقامة صلاة التراويح على درجات باب العامود كتعبيرٍ عن التمسّك بمطلب الهبّة، كلّ ذلك في الوقت الذي تتّسع فيه رقعة الاشتباك والإسناد في كافة الأرض المحتلّة والشتات الفلسطينيّ.

(6)

في الليلة الثالثة عشرة للمواجهات التي كانت آخذةً بالاتّساع والتجذّر، تراجع الاحتلال ولم يحرّك ساكناً وهو يشاهد المقدسيّين يفكّكون الحواجز الحديديّة في ساحة باب العامود ودرجاته. نصرٌ جديد يسجّله المقدسيون في صراع الإرادات مع المحتلّ.

تناقلت الصحافة الصهيونية انتقاداتٍ وجّهها عدد من كبار ضبّاط شرطة لواء القدس لقرار مفتش الشرطة الصهيونيّة وقائد اللواء، واصفين القرار بأنّه خضوع “للعنف” الفلسطيني، وخرق للسيادة على ” العاصمة”، وتآكل للردع، مرجعين القرار “الخاطيء” لقلّة تجربة المفتّش العام وقائد اللواء بأوضاع القدس. وبصرف النظر عن هذا الجدل الداخلي، فمن المؤكّد أنّ الاحتلال لم يتوقّع ردّة الفعل المقدسيّة وأحسّ بعمق الورطة، خاصةً في الليلتين الماضيتين والخطر الجدّي بانزلاق الوضع نحو مواجهةٍ عسكريّة في غزة وتصعيدٍ نضاليّ في الضفة.

وهنا من المهم أن نحرم الاحتلال من تحقيق أيّة إنجازاتٍ التفافيّة خلال الأيام التالية في باب العامود بمقاطعة أيّة فعالياتٍ رمضانيّة برعايته أو بالتنسيق معه، لكي لا يظهر بأنّ تراجعه جاء لمصلحة أهل القدس وعدم التشويش على حرية العبادة. وذلك بالنظر لما تروّج له بعض المصادر الصحفيّة الصهيونيّة، بأنّ التراجع في باب العامود جاء تلبيةً لطلب التجّار المقدسيّين ورجال دين مسلمين ومسؤولي “بلدية القدس”. وكذلك بالنظر إلى ما تمّ الإعلان عنه البارحة عبر مكبرّات صوت الشرطة عن احتفاليّةٍ رمضانيّة تُقام اليوم على مدرّجات باب العامود.

(7)

انطلقت هبّة باب العامود بمبادرةٍ شبابيّةٍ ذاتيّة دفاعاً عن أرضها ومكانها وبيتها في مدينتها، وبقيت صامدةً في وجه القمع والإرهاب الصهيوني من جهة، وفي وجه التثبيط والتشكيك من جهةٍ أخرى. ومع صمودها وعنفوانها، زاد الالتفاف الشعبيّ حولها إلى أن كسرت الجموع إرادة العدوّ.

غابت الشخصيات والمرجعيّات طيلة أيام الحراك الشبابيّ، حيث أنّ طبيعة الساحة النضالية لم تكن تسمح بمكانٍ للمتسلقين. وبعد أن حقّق الحراك هدفه وتحوّل الجو إلى حالةٍ احتفاليّة في الليلة الماضية، ظهرت فجأةً هذه الشخصيات التي تنوّع طيفها من عضو الكنيست مروراً بنجوم الفصائل لأغراض الدعاية الانتخابيّة وصولاً لمسؤولٍ في مركزٍ جماهيريّ تابع لبلدية الاحتلال، الذين بدؤوا يتحدثون للإعلام باسم الحراك. ووفاءً للحراك ونضالاته، ولمن دفعوا الثمن وسيدفعون الثمن، علينا الحفاظ على روح الحراك وعدم السماح لهذه الكائنات الطفيليّة أن تتصدّر واجهة المشهد.

(8)

من المسلّم به أنّ مركز الصراع الملتهب في القدس هو المسجد الاقصى، ولكنّ اختزال الصراع ضمن حدوده وعلى بواباته يُضعف قدرتنا على حماية المسجد الأقصى ضدّ التهويد والاقتحام. فكلّ نجاحٍ صهيونيّ في القدس والبلدة القديمة، يُضعف بالضرورة قدرتنا على الدفاع عن المسجد الأقصى. وقد ظهر هذا الوعي المغلوط بحدود المجال الدفاعيّ عن المسجد الأقصى جليّاً في هذه الهبّة، خاصةً في عدم تبنّي الدعوة إلى صلاة التروايح في باب العامود، بل وذهب البعض إلى أنه على الحشد في باب العامود التوجّه للصلاة في المسجد الأقصى رباطاً وحمايةً له، وكان واضحاً ذلك في تخاذل الشخصيات الدينيّة المؤثّرة في معركة باب العامود، وإنْ لهثت لاحقاً لتلحق بالموجة بعد أن استغلظ نبات الحراك واستوى على سُوقِهِ.

(9)

تتوالى الانتصارات الميدانيّة المقدسيّة خلال السنوات الأربعة الأخيرة، والتي أتت كردّة فعلٍ على قيام الاحتلال بخطواتٍ محدّدة (البوابات، إغلاق مصلى باب الرحمة، حواجز باب العامود) معبّرةً عن القدرة والفعاليّة النضاليّة للمجتمع المقدسيّ. ولكن في المقابل، يبقى العجز هو سيّد الموقف في مواجهة العمليات الاستعماريّة طويلة الأمد (أسرلة المناهج، الدمج الاقتصادي…) هذا العجز الذي بدوره بحاجةٍ إلى هبّةٍ لمواجهته، خاصةً أنّ الاحتلال عادةً ما يُتبع تراجعه في الميدان بتصميم رزمةٍ من عمليات الدمج “والأسرلة ” في مسعاه لقمع مقدرة المجتمع المقدسيّ على المقاومة.

جنود الاحتلال في مواجهة المنتفضين

(10)

بعيداً عن التخويف ونشر الأراجيف، من غير المستبعد أن تُقدم ميليشيا المستوطنين على عملٍ إرهابيّ لتدفيع المقدسيّين ثمن انتصارهم في باب العامود، بالتوازي مع عمليات تدفيع الثمن “القانونيّة” التي تشنّها الشرطة والبلديّة عقب كلّ مواجهةٍ وانتصار. ولتفويت الفرصة على الغادرين، علينا أن نزيدَ من تيقّظنا وحيطتنا والعودة إلى إرث الحماية المجتمعيّة على مستوى الحارة والحيّ، وهذه فرصة لتعزيز التلاحم المجتمعيّ في وجه التهديد المحتمَل.

(11)

المُصرارة : منتصف الليل،
جنود متراصّون وشاردو الذهن،
كتلةٌ مصفّحة ضدّ الرصاص.. وضدّ كلّ شيء
إلّا ضدّ شعورٍ بالعدميّة لا بدّ أنّه يَطنّ في جماجمهم بعد ثلاثة عشرة ليلة من قتال الشوارع
هزيمةٌ أخرى على أبواب ” العاصمة الأبديّة”
أيّة أبديّةٍ هذه؟
مرّةً أخرى، ما معنى هذا كلّه؟
ما معنى “إسرائيل” ذاتها؟

(نقلاً عن موقع باب الواد)