بعد نوبة بكاء طويلة هدأت ماريا أخيرا واستسلمت للنوم، وضعتها أمّها إيمان في مهدها وقبّلتها في جبينها وهمست في أذنها:

 – قريبا سيزاحم فراشك هذا فرد آخر من العائلة، سنسميه رمضان.

 . ذهبت إيمان إلى المطبخ متثاقلة ثقل بطنها وهمّت بتحضير كل ما يمكن تخزينه لرمضان، لقد مُلئت المائدة بفومها وبصلها وقِثّائها، كانت مملوءة على عروشها من حيث لا تدري حالة غزة المحاصرة، لكن الأمّ لم تتفاجأ فشهر الخير سيأتي غدا أو بعد غد، وقد مهّد لطريقه بكل هذه الخيرات.

 . كانت إيمان تقوم بعملها على ضوء شمعة، ليس لأنّها موعودة بليلة رومنسية مع زوجها، ولكنّها حال كهرباء غزّة الّتي تزورهم ساعة وتقطعم ساعات.

  وبينما هي كذلك كان زوجها أحمد يُركّب فوانيس رمضان على جدار منزلهما، لعلّ الكهرباء تتكرّم غدا بمجيء جليل جلال شهر القرآن.

ولج الزّوج مُتجّها للمطبخ وبالتّحديد لبطن زوجته يُـقبّل ابنه المخبّأ هناك، كان يحاول ان يسمع نبضات قلبه الصّغير لكنّ صوت صافرات “الزّنانة” حال دون ذلك، مرّ صوت الإنذار على الزوجين مرور الكرام فقد تعوّد سكّان غزّة على ذلك تعوّدهم سماع الأذان.

   شغّل أحمد أنترنت هاتفه فهي الوسيلة الوحيدة لتتبّع أخبار رصد هلال رمضان، في ظلّ عدم توفر كهرباء التّـلفاز.

  نزل وصعد مِرارا في مواقع التّواصل الاجتماعيّ ليصادف أنباء عن نزول صواريخ في مكان ليس بالبعيد كثيرا، لتُحوِّل تلك الأخبار أستوديها إلى حيّهم، لقد أصبحت قاب قوسين أو أدنى منهم..

 أمسك أحمد يد زوجته وأسرعا لغرفة تواجد ماريا، لم تكن سرعة كافية لتخطّي سرعة الصّاروخ الّذي نزل فوقهم، لم تفرق القذيفة يديهما، لكنّها _ فقط _ فرّقته عن جسده ، كانت إيمان تخاف من العمليّة القيصرية لكنّ العمليّة العسكريّة قامت بمهمّة فتح بطنها، أمّا سارة فقرّرت أن لا تبكي بعد الآن لأنها فضّلت أن تسكن في الجنة.

  لم تستطع العائلة -ولا غزّة- رصد هلال رمضان، لكنّ كل العالم رصدهم أهلّة شهداء، لم تنزل عليهم مائدة الحواريّين لكنّ مائدة رمضان صعدت معهم إلى السّماء، فقد فضلت أن يصوموا فوق.


الصباح دهيلس| الجزائر