كان الوافدونَ إلى بيتها في جنين كثُراً. يجيئونَ ويذهبونَ وليس في خاطرهم سوى ابتسامتِها الهادئة في ذاك اليوم. انطباعٌ يوحي بمعنى الطمأنينة، سكونِ النفس. في قلبها شوقٌ عارمٌ لا تعرف علّتَه، يشبهُ شوقاً انتابها بشكلٍ غريب قبلَ ستة عشر عاماً. سوى أنّ قريبتَها حين كانت تربّتُ على كتفها قالت لها: الشوقُ رسائلُ وصلٍ محتوم! نظرت إليها وبريقٌ يشي بفرحةٍ عارمة في عينيها: نعم نعم! أشعرُ بهذا. وظلّت لحظاتٍ تومئُ بالإيجابِ برأسها، وسطَ دهشةِ قريباتها لرؤيةِ انطباعِها في هذا اليوم. أحضرت لهم خبزاً كانت صنعته بيديها. أخبرتهم أن أحمد قبلَ أن يتزوج كان يحبّ هذا الخبز من يديها، وأنها لا تعرف ماذا يفعل هناك، وهل عروسُه تجيدُ تحضير الحلويات التي يحبها؟ تقولها بينما لا تنفك تبتسم لهم. وزوارها فرداً فرداً، تتفاوتُ ردودُ أفعالهم بين الوجومِ والتأثر. لعلّ قلقَ الأم لا ينتهي على أبنائها. يثيرُ استياء بعض الأولاد وتذمرهم، غير أن ابنها كان في إحدى المرات قد طلب منها أن لا تتوقف عن تدليله وإغراقه بالحلوى اللذيذة من يديها، وحتى القلق عليه. هو يحبّ أن يشعرَ بهذا الدفء. أحياناً يكفيه أن يصمتَ طوال اليوم، ليصغيَ إلى حديث أمه عن قريباتِه، وعن التي يليقُ بها أن تكون زوجتَه، فيضحك عالياً. هذا الحبور كان يكفيه ويمنحه طاقةً لا يتذوقها من حُرِمَ حضنَ أمّه. كلما كان يهمّ أحمد بالخروج، لم تكن تسأله ما الذي ينوي فعله اليوم، ولم تسأله يوماً عن تفاصيل عمله. كانت تبتلعُ غصّتها الخفيّة قبل أن تتجلّى في دمعة، ثمّ يرتسمُ ثغرُها باسماً وتلفُّ يداها قلبَه بإحكام، حتى أنه عندما يتأهبُ لفكّ أسرِ احتضانها له، يؤلمُه قلبُه قليلاً. لكنه يستديرُ إلى الباب ويخرج، حاملاً ميراثَ ابتسامةٍ، وطمأنينة.

إحدى القريبات أخبرتها بعد احتساء قهوتها المرّة، أنّ بعض ابتسامات الصِّبيةِ تغيظُ مغتصبي الطفولة، وأنّ بضعَ حجاراتٍ صغيرةٍ في قبضةِ صبيٍّ تضمنُ إعادةَ نظرِ الغاشمينَ في أصل استيطانهم. لكن الأم لم تفهم في اللحظة تلك، ما علاقة الاحتلال والاستيطان والغاصبين بابنها العريس الذي سافر منذ أيامٍ على غفلة دون أن يخبرها. أخبرتهم أنه ليلةَ سفره، كان يتابع نشرة الأخبار بذهولٍ وفرح لعملية “حفات غلعاد”، وقد احتفى بالنبأ مع إخوته وأمّه وأبيه الذي ارتفع شهيداً قبل ستة عشر عاماً.. بعدما أوهنَ صبرَ الأعداء وأنهكَ عزيمتَهم. وجهه لم يغب عن عيني أحمد حتى اليوم.

تذكّرت ما حصل في الصباح التالي لسفره.

بعد دقائق على توقف إطلاق النار المتواصل على بيتها، خرجت تشتمُ المحتفلين بالعملية إذ أرعبها صوت الرصاص. غير أنّها لم تجد محتفلين. كانت مجموعةً غاضبة من الجنود الإسرائيليين يبحثون عن أحمد يصنعون هالةً من رصاصٍ حول منزلها. لكن أيُّ أحمد؟! سألت الأم نفسها. قالوا إنهم يلاحقونه منذ أيام. تساءلت ألا يعرفون أنّ أحمد يعملُ في دكانِ البقالة القريب من البيت؟ كان الجندي يتحدّث عن أحمد آخر، قال لها أحدُ أقاربه الذي وقف خلف الجندي إنه أحمد البطل القومي الذي سار على نهج أبيه، الفتى الذي لاعبَ المحتل الإسرائيلي وعبث بسلامِه وعاث خراباً بنومِه فلم يهنأ منذ مدةٍ وهو يحومُ حول الضفة بحثاً عنه، مرعوباً.

والدة الشهيد أحمد نصر جرار

أخبرت الأم صديقاتها، أنه لم يكن أحمد. “أحمد سافر وتزوج. لا بدّ أن جمالَ عروستِه أنساهُ حلوايَ وخبزي فقط، أنا أشعر بقلبه ينبض، بحرارةِ دمه تسري في عروقي”. ظلت تردد العبارة، ثم تستديرُ لتبتلعَ في الخفاء عن الضيوف بضعَ غصّاتٍ وتقفلَ ذراعيها اجتناباً لشعور الافتقاد، افتقاد قلبه، ضلوعه. عادت تلتفتُ إليهم. كانوا يتركونَ فناجينَ قهوتِهم، ومناديل ورقيةً كثيرة تحملُ لحظاتٍ من حُرقة، ويرحلونَ بثيابهم السوداء، ووجوهٍ حزينة، حزناً استفزَّ أم أحمد، لكنه ختمَ على قلبِها بيقينٍ أخرويّ.

قد يختزلُ شوقُها ستةَ عشرَ عاماً.. وقد تحتفي السماءُ بمعراجٍ لا يقلّ عن زفاف!

فالشوقُ رسائلُ وصلٍ محتوم..


مريم ميرزاده| كاتبة إيرانية