تؤكّد الوقائع والأيّام أنّ صفحات النضال في كتاب الفلسطينيين أعظم من أن يطويها الاحتلال بإجرامه وجوره. هي الإرادة الصلبة للشعب الذي لم يرضخ لأيٍّ من أساليب الاحتلال الوحشية في إرهاب الفلسطينيين ومحاولة تركيعهم، تستمرّ في إظهار مدى تمسّك الفلسطينيين بالحياة والأرض.

لا شكّ أنّ تهريب النطف من داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية لينجب الفلسطيني الأسير أولاداً وهو خلف القضبان حكاية تختصر عذابات هذا الشعب، الذي عانى أكثر من كل شعوب الأرض من القتل والتهجير وفراق الوطن والأحبة وتفرّق العائلات وتباعد الجيران، منذ أن بدأت فصول الإرهاب الصهيوني تتالى على أرض فلسطين بعد نكبتها عام 1948.

الولادة “عن بعد”: فرحة وغصة

ليس سهلاً أن يأخذ الإنسان قراراً بأن ينجب طفلاً هو يعلم يقيناً أنّه سيولد ويكبر بعيداً عنه، بل وليس معلوماً إذا كان أصلاً سيتمكّن من لقائه أم لا. ففي الأماكن الأخرى من العالم، حيث الحياة طبيعية، قد يعتبر الأهل أنّ أجمل لحظات العمر هي تلك التي يمضيها الرضيع مع الأهل ويكبر بين يديهما وتحت ناظريهما، لكن في فلسطين تأتي فرحة الحمل والولادة ممزوجة بدمعة الفراق وغصة الألم على عمرٍ مع الأحبّة ضاع خلف السجون، ولن يعيده إليهم أحد.

بدأ هذا النوع من نضال الأسرى مع قيام عدة أسرى من المحكومين لسنوات طويلة بمحاولة تهريب نطفهم إلى زوجاتهم، وغير معلوم إلى متى ترجع هذه المحاولات وكم عددها، ولكنّها تكلّلت أخيراً بنجاح الأسير عمار الزبن عام 2012 بتهريب نطفة أدّت عبر التلقيح الاصطناعي في إحدى العيادات الطبية في فلسطين إلى أن تنجب زوجته ابنه مهنّد بعد 14 عاماً قضاها الوالد المحكوم بـ 26 مؤبّداً في الأسر.

وبعد ولادة مهند وتناقل الأخبار بين الأسرى عن نجاح هذه التجربة بدأ كثير منهم بالعمل لتهريب نطفهم إلى زوجاتهم، فنجح فهمي أبو صلاح المحكوم بـ 22 عاماً في أن تنجب زوجته ابناً عام 2014 بعد 6 سنوات في الأسر، وفي نفس السنة تمكن تامر الزعانين الذي اعتقل عام 2006 من تهريب نطفة أثمرت طفلاً احتضن أباه للمرة الأولى العام الفائت حين أطلق سراح تامر بعد 14 عاماً في الأسر وكان ابنه يبلغ من العمر 6 سنوات. وإلى الآن فشلت الرقابة العسكرية والأمنية لدى أجهزة الاحتلال في منع هذه الظاهرة التي تتحدّى قيد الأسر وجبروت السجّان الصهيوني، فلم تتمكّن رغم كلّ محاولاتها ورغم السجن الانفرادي للأسرى والتفتيش وإجراءات العزل عن محيطهم ومنع الزيارات لهم من كشف الطريقة التي يتم عبرها تهريب النطف، فبلغ عدد الأطفال الذين ولدوا من خلالها حتى يوم أمس 96 طفلاً بعد أن ولد بالأمس طفل “مجاهد” للأسير محمد القدرة المعتقل خلال العدوان على غزة في 2014 والمحكوم بـ 11 عاماً. وقبل أيام في مطلع شباط الحالي رزق الأسير وليد دقة المحكوم بـ 38 عاماً بطفلة أسماها “ميلاد” ليبلغ عدد الأطفال المولودين بهذه الطريقة خلال العام 2021 طفلين إلى اليوم.

الحياة تستمرّ “رغماً عن أنف الاحتلال”

يشكّل اليوم هؤلاء الأطفال مصدراً للقوة والأمل لدى كل من يراهم؛ هم ولدوا رغماً عن أنف الاحتلال وسيعيشون حياةً لم يوفّر الاحتلال أداةً لمنعها عنهم. وفي وجه كل الآلام والصعاب التي يعانيها الفلسطيني يومياً، تبقى شعلة تحدّي جور الصهاينة لدى الأسرى وعائلاتهم هي السبيل لتحمّل الفراق والبعد والصبر على الأسر ومؤبّدات الاحتلال. وهي على كلّ حال سابقة في تاريخ العالم، لكنّ التعتيم الإعلامي المفروض على الشعب الفلسطيني يتجنّب تسليط الضوء على مثل هذه المشاهد حتى لا تشكّل إدانة إضافية له أمام الرأي العام العالمي.

وإلى اليوم أكثر من 5000 أسير فلسطيني منهم 544 أسير محكوم بالمؤبّد يقبعون في سجون الاحتلال، بينهم حوالي 200 طفل و50 امرأة، ويوجد منهم حوالي 700 مريض بينهم 300 حالة مرضية مزمنة يضاف إليهم اليوم عدد مرضى فيروس كورونا المنتشر في سجون الاحتلال بسبب الإهمال الناتج عن لا مبالاته بحياة الأسرى الفلسطينيين.