أكرم بزي – صحافي وكاتب سياسي لبناني (بتصرّف)

أُريدَ لنا أن نعتقد أن الكيان الصهيوني المصطنِع “جبروتاً” لا يمكن هزيمته، وأُريد لنا أن نصحو كل يوم على هزيمة، وأن نفتح عيوننا كل صباح محبطين ومستسلمين ليأس كان يحتوينا قبل أن ننام. هكذا عملت “الميديا” بكل أشكالها على تسميم عقولنا و”تطعيمها” بلقاحات الهزيمة منذ الصغر ولغاية الساعة. 

شكّلت القضية الفلسطينية منذ نشوئها الحدث الأبرز على مستوى الكرة الأرضية منذ أكثر من 73 عاماً، ولم تحظَ أي قضية طيلة هذه الفترة بمثل ما حظيت من كمّ هائل من الدسائس والمؤامرات والخيانات والاغتيالات والتزوير للمفاهيم والأفكار “المسممة”، التي أريد من خلالها طمس حقائق جوهرية لها علاقة بكينونتها وماهيتها، لإقناعنا بأنها تخصّ “الفلسطينيين” وحدهم، ولا علاقة لأي طرف آخر بها، حتى وصل الأمر إلى تفتيت الفلسطينيين أنفسهم وتشتيتهم إلى مجموعات متناحرة، ووصل الأمر إلى أن يكون ما يسمى “منظمة التحرير الفلسطينية” “الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني” بعد اتفاقيات “أوسلو” (1993)، وبالتالي لا تُعقد أي مفاوضات أو تسويات خارج هذا الإطار، ولا يعترف أي فصيل آخر به إلا أن يكون ضمن دائرة “منظمة التحرير”، بل تم تصنيف معظم الفصائل الأخرى خارج المنظمة بكونها “منظمات إرهابية” ويجب معاقبتها.

وبموجب اتفاقيّة “أوسلو”، تنازلت منظمة التحرير الفلسطينية عن 78% من أرض فلسطين التاريخية للاحتلال الصهيوني، وبالتالي خرجت كامل تلك المساحة من دائرة التفاوض تلقائياً، ما وجّه طعنةً إلى ملايين اللاجئين الفلسطينيين الذين كانوا، وما زالوا، يحلمون بالعودة إلى ديارهم. ومقابل تنازل المنظّمة عن فلسطين، لم تعترف “دولة” الاحتلال للشعب الفلسطيني بدولة مستقلة، بل أقرّت بأنَّ المنظّمة هي “الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني”، بهدف إضفاء شرعية قانونية على تنازل الموقِّعين الفلسطينيين عن أرضهم.

تسبّبت الاتفاقيّة بتشتّت الشّعب الفلسطيني بين لاجئ مشرّد خارج الوطن، ومقاوم محاصَر من الكيان الصهيوني من جهة، ومن الأنظمة العربية المحيطة به من جهة أخرى، وفتحت اتفاقية “أوسلو” باب التطبيع مع الاحتلال على مصراعيه، وسمحت لمن كان يتعاون معه تحت الطاولة بأن يظهر إلى العلن، ومن دون أي خجل، بحجة أن “المنظمة” اعترفت بهذا الكيان، ولن نكون ملكيين أكثر منها على حقوقها، بل إنها قامت، من خلال “السلطة” الممنوحة لها في الضفة الغربية، بالقيام بعمليات أمنية ومراقبة الفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى لمصلحة الكيان الصهيوني، وضدّ مصالح الفلسطينيين، تحت ذريعة التنسيق الأمني بين السّلطة وسلطات الاحتلال الصّهيوني، والذي تعتقل بموجبه رجال المقاومة الفلسطينية!

منذ العام 1987، بدأت شرارة الانتفاضات الفلسطينية، انطلاقاً من جباليا في قطاع غزة المحاصر، لتنتشر في مخيمات فلسطين في الضفة الغربية وفلسطين الـ48، في ما سمي آنذاك بـ”انتفاضة الحجارة”؛ “السلاح الوحيد” المتاح في حينها. 

بعد 13 عاماً، انطلقت انتفاضة من المسجد الأقصى، بعد أن دنّسه رئيس الحكومة الصهيونية في العام 2000، وشملت كل فلسطين. أحدثت هذه الانتفاضة زلزالاً للاحتلال الإسرائيلي، بعد أن تعاملت معه بقسوة لا مثيل لها، وفضحت ممارسته أمام العالم، بفعل أساليبه المتوحّشة والموغلة في القتل والمجازر الجماعية وقتل الأطفال.

في العام 2000، وفي إثر شريط فيديو لقناة فرنسية في أيلول/سبتمبر، أظهر إعدام الطفل الفلسطيني محمد الدرة عندما كان محتمياً خلف أبيه، جنوبي مدينة غزة، اشتعل غضب الفلسطينيين، وخرج الآلاف في تظاهرات غاضبة حصلت خلالها مواجهات مع الاحتلال الإسرائيلي.

عُرفت الانتفاضة الثانية بكثرة المواجهات المسلحة بين المقاومة و”جيش” الاحتلال مقارنة بالانتفاضة الأولى، الأمر الذي ظهر في أعداد الشهداء الفلسطينيين والقتلى الإسرائيليين (قرابة 4412 شهيداً فلسطينيـاً و48322 جريحاً ومصاباً، ومقتل 1069 إسرائيلياً وإصابة 4500). 

بعدها، توالت عمليات اغتيال قيادات الصف الأول في المقاومة الفلسطينية، من مؤسس حركة “حماس” الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، وحصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في رام الله، في محاولة منه لإخماد الانتفاضة الثانية.

لم تستسلم المقاومة، بل طورت آلياتها، وتوسعت أكثر، وتجاوزت الفصائل الفلسطينية مرحلة سلاح الحجارة والزجاجات الحارقة التي سادت في الانتفاضة الأولى، فطوّرت وصنعت أسلحة وصواريخ تمكنت من الوصول إلى المستوطنات الإسرائيلية، وتلقت مستوطنة سديروت في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2001 أول صاروخ من صنع فلسطيني، أطلقته كتائب “الشهيد عز الدين القسام”. 

بعدها، توالت العمليات والانتفاضات في العام 2005 (هدنة قمة شرم الشيخ) إلى أيلول/سبتمبر 2015، وكثفت قوات الاحتلال إجراءاتها القمعية ضد الفلسطينيين، وكرّرت اقتحاماتها للأقصى، وجرت أبرز المواجهات بين الاحتلال والفلسطينيين في كل من القدس وبيت لحم وبلدة بلعا شرقي مدينة طولكرم والخليل، وخرجت تظاهرات مؤيدة للمقاومة ومندّدة بإجراءات الاحتلال في كلّ من غزة وفلسطين الـ48، وصولاً إلى الهبة شعبية التي انطلقت في 28 نيسان/أبريل 2017 من أجل الأسرى في السجون الإسرائيلية، حيث تضامن الشعب مع إضراب “الأمعاء الخاوية” الذي خاضه نحو 1500 معتقل في السجون الإسرائيلية ضد ظروف اعتقالهم، إلى ما عُرف بـ”هبة الأقصى” في تموز/يوليو 2017.

استطاعت المقاومة الفلسطينية وبعد ما سمي آنذاك باسم “الجرف الصامد” و”العصف المأكول” في العام 2014، ولغاية الآن، أن تراكم الكثير من الخبرات القتالية والصاروخية و”العقول الإلكترونية”، فجاءت أحداث الأسبوع الماضي في حي الشيخ جراح في القدس وأحداث المسجد الأقصى، لتعيد اشتعال الجبهة الفلسطينية، وفي أراضيها كافة (فلسطين الـ48 والضفة الغربية وغزة)، ولتلحق الهزيمة بالاحتلال الصهيوني مرة أخرى، وتثبت قوة المقاومة الصاروخية وإرادة فلسطينيي الـ48 بالانتفاضة، والتي لا تقل قوة عن الصواريخ، بما أحدثته من إرباك دفع القيادة الصهيونية إلى إعلانها مناطق عسكرية ومحاصرتها منعاً لتوسع الانتفاضة داخلها.

الخبرات وتراكم الإنجازات وصناعة الصواريخ ومساعدة الحلفاء أتاح للمقاومة أن تقوم بما تقوم به اليوم من قصف طال معظم المستوطنات الصهيونية على مساحة فلسطين المحتلة، بحيث لم تبقَ منطقة لم تطَلها الصواريخ، ما خلق حالة من الإرباك والضياع لدى الكيان العبري بفعل حجم المفاجآت التي لم تكن في حسبانه. 

ولا أبالغ إذا قلت إن “إسرائيل” باتت أضحوكة أمام العالم أجمع، فبدلاً من أن تنقل معاركها إلى داخل أرض العدوّ كما هي استراتيجية جيش الاحتلال الثابتة، استطاعت المقاومة الفلسطينية قلب الطاولة عسكرياً وشعبياً، فضربت الكيان الصهيوني في الصميم، تارةً عبر قصف مدينته الكبرى “تل أبيب” مع باقي المناطق الأخرى، وتارةً عبر تحريك الشعب الفلسطيني في الضفة والداخل المحتلّ.

هذه الحرب المستعرة الآن في فلسطين المحتلة حفرت في وجدان الجميع أن المقاومة تستطيع أن تحرر فلسطين، كل فلسطين، من الاحتلال الصهيوني، إذا ما استمرت في مراكمة الانتصارات، ولم تنصاع إلى كل الوساطات الدولية والإقليمية التي يراد منها إعطاء جرعة راحة للقيادة الصهيونية، وإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وإلى طاولة المفاوضات بين السلطة وقيادة الكيان الغاصب، بما يتيح لها مستقبلاً القيام بتنفيذ مخططاتها ومتابعة مسلسل التطبيع وإضاعة ما تبقى من حقوق للفلسطينيين، وهذه المرة بمؤازرة حفنة من المطبّعين العرب.

وعلى الرغم من محاولات هذا الكيان، منذ نشوئه ولغاية الساعة، طمس الحقائق التاريخية وتزوير الوقائع وشراء الذمم واتفاقيات الذلّ، من “كامب ديفيد”، إلى “وادي عربة”، إلى “أوسلو”، وما جرى من عمليات تطبيع بعدها، استطاعت المقاومة الفلسطينية وحلفاؤها الدوس على كل هذه الاتفاقيات، وتكريس فكرة الانتصار على الكيان الصهيوني وإعادة الحقوق إلى أهلها، وإحياء فكرة أن “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلى إلا بالقوة”، وليس بالمفاوضات والمساومات.

لقد أثبتت مسارات القضية الفلسطينية أنها قضية إنسانية تخص كل شعوب العالم، وليس الشعب الفلسطيني وحده، بما تمثله من أمثولة لقضايا التحرر الأممي في العالم أجمع، وأن الأحرار في هذا العالم يمكنهم أن يتصدوا لآفات الإمبريالية المنتشرة في الكرة الأرضية، وأن يقوموا بتحرير الفكر والعقل من كل آثار الرأسمالية المتوحشة ونتاجها الفكري والنظري، والقيام بما يمليه ضميرهم الإنسانيّ، والوصول إلى الانتصار وتحقيق الأهداف المقدسة والنبيلة، وتحرير كل الأراضي المحتلة، وطرد المحتل منها، مهما علا جبروته، من خلال الإرادة والصدق والتضحيات والمقاومة المسلحة وغير المسلحة.

نقلاً عن ويبسايت الميادين رابط المصدر