ليست الإنسانية طائفة تنتمي إليها جماعة دون أخرى، ولا مساحة جغرافية تضمّنا في فضائها، بل هيّ “رتبة” يصطفي المرء نفسَه إليها حين يسلك سبيلها، ويترفع عن الانتماءات الضيّقة إلى الانتماء الأوسع.
تضم هذه الشريحة أولئك الذين أمضَوا حياتهم في سبيل إغاثة من تقطعت بهم السبل، أو إعانة من فقد معيله، دون الالتفات لانتماءٍ أو هوية، والعظماء منهم أولئك الذين نكتشف أسرارهم بعد رحيلهم، ولا شكّ في أن الطبيب جورناليز هو واحد من هؤلاء.
لقد تلقينا بحزنٍ خبرَ وفاة صديق الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين، الدكتور خوسيه ريزال جورناليز صباح الإثنين 20 كانون الثاني 2020، وهو الطبيب الذي تخصّص في جراحة العظام والكسور، فعالج كسور النفس والجسد معاً، على امتداد البلاد التي سافر إليها.
أنشأ الدكتور ريزال مع عدد من زملائه الإندونيسيين لجنة الإنقاذ الطبية عام 1999 لإغاثة ضحايا النزاع في مناطق آمبون ومانوكو شرق إندونيسيا، وكان تشكيل هذه اللجنة بدافع إنسانيّ خالص، لمساعدة ضحايا الحروب والكوارث، بغضّ النظر عن خلفيتهم الدينية أو العرقية، أو انتماءاتهم السياسية.
توسعت اللجنة وخاضت تجارب إغاثية في عدد من الدول، مثل أفغانستان، والعراق، وإيران، وتايلاند، ولبنان، والسودان، وفلسطين، وماينمار وغيرها، فضلاً عن إشرافها وتمويلها لبناء مستشفى في غزة فلسطين، وآخر في ماينمار.
حظيت فلسطين بمكانة خاصة في قلب الطبيب الراحل، فقطع أكثر من 11 ألف كيلومتراً ليصل إلى قطاع غزة المحاصر، وعاين مع رفاقه الوضع الصحيّ، فقرروا بناء مستشفى يستطيعون من خلاله تخفيف بعض آلام أهل فلسطين. عاد إلى إندونيسيا محملاً بالهمة والأمل، واستطاع عبر حملة تبرعات جمع كلفة المستشفى بعد مساهمة شخصية معتبرة منه، ومن الفئات الشعبية والرسمية العريضة التي حاز على ثقتها في إندونيسيا بعد مشاركاته الإنسانية الواسعة.
وبعد عدّة زيارات للقطاع على مدار أربع سنوات، تم إنجاز المشروع وافتتاح المستشفى الإندونيسي في قطاع غزة نهاية عام 2015، ليقدّم خدمات مجانية في تخصصات الباطنة والقلب والجراحة العامة وجراحة العظام والأوعية الدموية، على سعة سريرية تقدر ب 110 أسرّة مبيت، و10 أسرّة مخصصة لقسم العناية المركزة ومجهزة تجهيزاً كاملاً، مع أربع غرف عمليات بتجهيزاتها، ومخبر وأجهزة تصوير وخدمات أخرى.
وفي العام نفسه 2015 دعته الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين إلى بيروت لتكرمه وتمنحه درع “ريادة العطاء لفلسطين”، عرفاناً بجميله ومجهوده كجنديّ ميدانيّ مجهول في القضايا الإنسانية، وعلى رأسها قضية فلسطين.

يذكر الإندونيسيون جيداً جهوده مع فريقه في قضية مقتل 700 من موظفي لجنة الانتخابات الأخيرة عام 2019 في إندونيسيا، حيث تم تكليفه مع لجنته بالتحقيق للوقوف على أسباب وفاة جميع الضحايا، ويعتبره الكثير منهم أنه شخصية من الصعب تكرارها بسبب ما تمتع به من شجاعة وصدق وإقدام تحدى بها البيروقراطية والحدود والإجراءات الأمنية في سبيل مساعدة المحتاجين، حيث اعتاد على القيام بالكثير من العمليات للفقراء دون أن يتقاضى أية أتعاب.
وقد دلّت جنازته قبل أيام على بعضٍ من مكانته في قلوب الإندونيسيين حيث ضمت آلاف المشيّعين منهم وزراء ونواب وعسكريين ورجال دين، إضافة إلى العديد من الفعاليات الشعبية والنقابية.
ولا يسعنا في وداعه الأخير إلا أن ندعو اللهَ له بالرحمة، وأن نقف باحترام وامتنان أمام تضحياته وعطائه الكبيرين.