بينما تنهشُ ضمائرَنا صورةُ هاتيكَ الفلسطينيّةِ مسلوبةِ الحجاب، في أروقة القُدس، تستفحلُ خيانةُ رموز العُرب. فتبصرُهم يتراقصونَ على كبد المشرق المحتَرّ، وقد عسلَت سيوفُ طُقوسِهم. يرتجزون في مراسمَ خرقاء، يلوحُ لها في خاطري هجاءُ “البُحتريّ”:

العِرضُ مُمتهَنٌ والنفْسُ ساقطةٌ            والوجهُ مِن سَفَنٍ والعَينُ مِن حَجَرِ

يُنزَعُ رانُ المَقدسيّةِ عن رأسِها، ويُلقى على وجهِ الصنَم المترنِّح في البيتِ العتيق.. أوَيُعمي عينَه؟

﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم﴾.

وإذ بلغَت نفوسُهم الدَّركَ الأسفل، فتآمروا وعَصَدوا كلَّ متنفَّسٍ، وكمّوا منافذَ المدَد؛ وقد وُقِّعَت صفقاتٌ بسَيلِ ذهبهم المُسْودّ، فلا تلومنّ من سيَقلَعُ حجرَ عينِهم تلك، في انتفاضةٍ على مرأى الزمانِ الكاسِر.

إنّ أهلَ الأرضِ التي بوركَ ما حولُها توارثوا فنَّ إطلاقِ الحجارة، رَعيلًا بعد رَعيل. فوشَموا التاريخَ بانتفاضاتٍ متتالية، لِواؤها أحمر، واليدُ منجنيق.. وذلك بُغيةَ استعادةِ الحقِّ المهضوم، إعادةِ فلسطينَ لسيرتها الأولى، صفحةً واحدةً غيرَ ممزَّقة.

لعَمري، إنّهم يولدونَ بأيدٍ مُجوّفةٍ تمتهنُ الرشقَ، مفطورةً على ميكانيكا المقذوفات! حتّى كأنّ راحاتِ أكُفِّهم التي تُنعَتُ – فيزيائيًّا – بنقاطِ التأثير، تجاوزَت مهمَّتها العلميّةَ في تحديد عزمِ القوّة.

تلك الراحاتُ إنّما رَوح الأمّة!

كأنّ الفيزياءَ قد عشعشَت فيها الثورة.. قوًى وعزمٌ ونسبيّةٌ نَشوى على عضُدِ “فارس عودة” وإخوتِه.

في شظَف العيش، يصبحُ المظلومُ ماردًا.

يقفُ أمام أسطورةِ الجيش الواهية، بكامل عتاده… بحَجَره الذي يَنقلُ إليه القوّةَ المتكوِّمةَ في كفّه، مع ما شحذَها من صبرٍ وقهرٍ وغِلٍّ على أُوْلي الأمر.

ينطلقُ الحجرُ مقذوفةً بلا عِياراتٍ مميّزة أو رأسٍ نوويّ.. لا شظائيّةً، محرِقةً، أو دخانيّةً؛ ولا خارقةً للدروع أو الإسمنت المسلَّح. لكنّها أفتكُ وأبطشُ ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾.

أفتكُ، لمّا تخترقُ القلوبَ التي احتفظَت بطِينيَّتِها. تستفزُّ نبضَها، تحرّكُ الهممَ التي ركدَت. أمّا وجوهُ السَّفَن، فعسى الحجارة لا تُبقي لها أثرًا ولا تذَرُ.

أحدّثُكم عن المِقلاع..

نوعٌ من الدُّمى الجائعةِ خاويةِ الأمعاء، بحيث لا تحتفظُ من وجودِها سوى بهيكلٍ خشبيٍّ عصيٍّ على الكسر. تلك ألعابُ المضطهَدين في الأرض. من أُكِلَ لحمُ ظهورهم في خياناتٍ متلاحقة.

تُمسَكُ من جِذعها، فيما يربَطُ المطّاطُ على يدَيها ويُشَدّ. فهذا العمَلُ الذي يقدَّمُ لشدّه، يتخزّنُ على شكل طاقةٍ كامِنة.

في الفيزياء، يحتفظُ الجسمُ بهذه الطاقةِ بسبب عواملَ كثيرةٍ، منها كمّيّة الضغوطِ المتراكمةِ داخلَه. وأظنُّ المقامَ غيرَ متّسِعٍ لذكرِ ما يتجمهرُ في جَوف مقهورٍ… لكن، هيهاتَ يخضع أو يخنع أو يسلّم الرقاب. هذه الطاقةُ الكامنةُ تتحوّلُ إلى طاقة الحجر الحركيّة التي تصيّرُه قذائفَ سِجّيل.

مباركةٌ الأرضُ، وحجارةَ انتفاضتِها!

آخرُ قولِنا..

إنّ الانتفاضةَ لو سَخّرَت حجرًا، كفاها لتشتعل.

فما القيامُ ببواهظِ العتاد، إن دُفِعَت للتاريخِ مهَج!


خولة سليمان| كاتبة لبنانية