يستطيع الفلسطيني أن يرسم مشهدية شبه كاملة عبر خياله لكل ما يمكن أن يشكل مشهداً من مشاهد يوم العودة الكبير أو يوم تحرير فلسطين، وما يمكن أن يرافقه من خليط هائل من المشاعر، ذلك أننا كفلسطينيين قد تنفسنا نفحة من نسيم الحرية عندما رحل الصهاينة من داخل قطاع غزة عام 2005 وتركوا مستوطناتهم وكيبوتساتهم وتحصيناتهم -التي كانوا قد بنوها على مر ما يقارب من أربعين عاماً- فارغة بفعل إرادة التحرر وإصرار المقاومة وعزيمة كل ثائر حر تحدى وصمد وأوجع الاحتلال.

انسحاب المستوطنون الصهاينة من قطاع غزّة عام 2005

         كان تحرير قطاع غزة بإخراج الصهاينة منه عرساً وطنياً حافلا، اختلطت فيه علينا المشاعر حتى أن جموع المواطنين قد دخلت أراضي المحررات في الدقائق الأولى التي كان يتضح فيها اكتمال انسحاب الصهاينة، سيلٌ بشريٌ هائل يضج بصيحات التكبير وأصوات الزغاريد ودموع الفرح الغالية كان يموج أمامنا في ساعات فجر آخر أيام الانسحاب. نظر الناس إلى آخر دبابة صهيونية مندحرة تخرج من القطاع وهم يصرخون بكل ما في صدورهم من صوت أننا سنعود إلى كل أرضنا، وأننا على موعد مع انتصار كبير يحملنا إلى القدس الشريف.

         كان هذا التحرير هو ثمرة سنوات من العمل المقاوم ونتيجة جهود عظيمة وتضحيات كبيرة وغالية بُذلت على طريق المقاومة والشهادة، لم يخرج الصهاينة إلا بعد أن تيقنوا أن مدن قطاع غزة لن تهدأ وأن هذا الشعب يتحدى الاحتلال بجدارة لا نظير لها وبعنفوان كبير لا يُضاهى وبإصرار عظيم على المواجهة بشموخ ونديّة عالية.

فلسطينيون يصلون احتفالا بالانسحاب الإسرائيلي (رويترز)

         مثلت انتفاضة الأقصى المباركة التي انفجرت في وجه الاحتلال في أيلول عام 2000 إعادة بعث لروح العمل المقاوم وشحذاً للهمم الساعية نحو تحرير فلسطين وإعادة تثبيت للوجهة الحقّة والمطلوبة لمسار الحركة الجماعية للفلسطينيين وهي القدس كبوصلة ضابطة مُلزِمة، وبذلك كانت السنوات الأولى لهذه الانتفاضة هي فترة تحول حقيقي في واقع العمل الوطني الفلسطيني المقاوم للاحتلال وفي تشكيل الوعي الشعبي الفلسطيني بصورة عامة ووضعه أمام ضرورة الالتفاف الجماهيري الكامل حول المقاومة والالتزام بخيارها أمام تغوّل الاحتلال وغطرسته، وكان هذا نتيجة طبيعية لاحتدام المواجهات مع الاحتلال واتساع ساحة الانتفاضة لتشمل أغلب المدن الفلسطينية المحتلة، واشتدادها في مناطق التماس مع قوات الاحتلال لتصبح الانتفاضة حالة عامة تطورت تدريجياً حتى شكلت المشهد الفلسطيني وساهمت في صنع واقع فلسطيني جديد على كل المستويات أفرز في أهم تجلياته جيلاً ثورياً صلباً وروحاً مؤمنة بالمقاومة والصمود ومستعدة للبذل والفداء حتى الحرية والانتصار.

         هذا الواقع الذي أنتجته الانتفاضة واستعار جذوتها ترسخ بموجة العمليات الجهادية والاقتحامات التي قامت بها المقاومة ضمن سلاسل من العمليات البطولية مستهدفة مستوطنات العدو ومدنه، مما أفرز إيماناً وشعوراً وطنياً فلسطينياً كبيراً بجدوى المقاومة وواقعية المواجهة والتحدي كخيار لا حياد عنه حتى التحرير، فكان تحرير قطاع غزة وخروج الصهاينة منه هو انتصار فعلي كامل لنهج المقاومة وتأكيداً على صوابية هذا الخيار الذي لم تهدأ ثورة سالكيه ولم تكل عزائم أهله أمام دموية الاحتلال وآلة حربه، بل تمسكوا بالإيمان بحتمية النصر سلاحاً وقدموا التضحيات العظيمة حتى جاءت أولى البشريات وهي أن الصهاينة يخلون تجمعاتهم العسكرية ومستوطناتهم ويفككون ما بنوه في غزة تحت وطأة ضربات المقاومين وجدوى عملياتهم المشرفة التي لم تترك للاحتلال أمناً ولا هناءً على أرضنا.


أسامة أبو دراز| باحث فلسطيني