يحيي الفلسطينيون هذا العام شهر رمضان الكريم في ظروف لعلها تكون الأصعب منذ النكسة الفلسطينية عام 67.

فلطالما شكّل شهر رمضان المبارك مناسبة لاتحاد المسلمين وتوحّدهم انطلاقاً من شعائر الصوم والصلوات وصولاً إلى الاتحاد في الشعارات والتوجهات، فكانت القدس والقضية الفلسطينية هي الحاضرة في صيام المسلمين من حيث كانوا في هذا العالم.

ولطالما شكّلت قيم التكافل والتعاضد الاجتماعي التي تبرز بشكل خاص في شهر رمضان المبارك مناسبة لتذكّر آلام الفلسطينيين في فلسطين وبلاد اللجوء والمخيّمات، وتخصيص جزء من الدعم والمساندة لهم من مختلف أقطار البلاد الإسلامية، فكانت صناديق المساعدات الغذائية ترسل بالطائرات والبرّ لا سيما من بلدان الخليج وعبر البلدان العربية، وكانت الذبائح والأضاحي في العيد ترسل إلى فلسطين. وشكّل إعلان الجمعة الأخيرة من شهر رمضان المبارك كيومٍ عالميّ للقدس وتبنّيه من قبل أكبر المرجعيات الدينية الإسلامية مناسبة أكبر لربط شهر رمضان بفلسطين والمسجد الأقصى.

ولكنّ العام 2020-2021 الحالي، كان قاسياً على الفلسطينيين بشكل خاص. فبالإضافة لما جلبه معه انتشار وباء كورونا من تبعات صحية ونفسية واقتصادية واجتماعية على أهل الأرض جميعاً، فإنّ الشعب المحاصر والمهدّد بالقصف والأسر والقتل على الحواجز كان وقع الوباء عليه أكبر وأصعب، خاصة مع ما ترافق من إجراءات الاحتلال الإجرامية واللا-إنسانية تجاه الفلسطينيين في تقنين الدواء والأوكسيجين وصولاً إلى اللقاحات. ولكنّ وباء كورونا لم يكن الوحيد الذي آذى فلسطين وشعبها، فوباء التطبيع العربي الذي دخل العواصم العربية ودوائر القرار الرسمية فتك بكلّ القيم العربية والإسلامية والمعاهدات والمواثيق المشتركة التي أكّدتها الجامعة العربية منذ النكبة وإلى يومنا هذا.

فعندما تحوّل التطبيع من سرّ إلى مبارزة إعلامية، وجرت محاولة نقل التطبيع من الدوائر الرسمية والأنظمة السياسية المسقطة على شعوبها بمباركات المخابرات العالمية إلى الشعوب العربية عبر الإعلام المأجور والمتصهين، بدأ الفلسطينيون يستشعرون خطراً يحصل لأوّل مرة منذ النكبة؛ فالصراع اليوم أصبح حول موقف الشعوب العربية من التطبيع الرسمي مع الاحتلال، واستعدادها للصمود مقابل الترهيب والترغيب الذي تعتمده السلطات المحلية والدول العالمية الكبرى الراعية للاحتلال الصهيوني وللتطبيع معه.

رسم لتقليد فلسطيني أصبح سنّة رمضانية خاصة

وإن كانت الشعوب العربية صامدة على موقفها بأغلبيتها العظمى ضدّ الاحتلال ومع الشعب العربي الفلسطيني وحقوق العرب جميعاً في فلسطين والقدس، فإنّ العمل الإعلامي الضخم الذي تقوم به أجهزة الحكم في البلدان المطبّعة مرعبٌ ويثير القلق بالنسبة للمستقبل الذي ينتظر أجيالنا العربية بخصوص موقفها من القضية الفلسطينية.

يحيي اليوم الفلسطينيون الصامدون في ديارهم أجواء شهر رمضان بمزيد من الصمود والثبات، يظهر في عاداتهم الراسخة ومواقفهم الواضحة. فمن أجمل العادات الفلسطينية في القدس المحتلة هي الإفطارات في باحات الأقصى تثبيتاً لهويته الإسلامية العربية، حيث يحيي الفلسطينيون بالآلاف هذه السنّة الفلسطينية السنوية المباركة، والتي أصبحت سبباً للبشرى والتفاؤل بأنّ في هذا الزمن الصعب من لا زال ثابتاً في تمسّكه بأرضه وهويته وصموده.

ويضاف إلى الإحياءات الجماعية في الأقصى أو على مشارفه التعاضد الداخلي بين أبناء الشعب الفلسطيني والإصرار على الصلوات جماعة في وجه تضييقات الاحتلال وسياساته العنصرية والإجرامية.

ورغم كلّ التطبيع الرسمي، فإنّ الشعوب العربية لا زالت ترى في شهر رمضان مناسبةً لذكر قضايا الأمة الإسلامية جمعاء، وعلى رأسها قضية فلسطين وحقّ الشعب الفلسطيني في العودة والعيش بكرامة وحرية في أرضه وأرض أجداده.