لكانَ عمره اليوم واحد وثلاثون عاماً…درّة فلسطين…الشهيد محمد الدرّة

ها هو بين ذراعيّ والده، وقف أمامه ملاكاً فتح له يديه، حينها طلب منه محمّد الدرّة أن يحلّق فوق جناحيه، التفت نحو والده، ابتسم له، حضنه، وصعد إلى السماء.

وما أجملها أن يرتقي شهيداّ!

صرخة مدويّة أتت من السماء… قوموا استقبلوا درّة فلسطين!

ركض أصدقائه الذين سبقوه نحوه، حضنوه، قبّلوه، زفّوه عريساً…وهناك، في السماء أخبر الله بكلّ شيء.

“يا اللّه، يا ربّ الأرض والسموات، أنا إسمي محمد جمال الدرة، عمري فقط إثنا عشر عاماً، كنت أمشي في الشارع وبدأ الرصاص يمطر علينا أنا ووالدي، اختبأنا خلف برميل حديديّ وحاول أبي كثيراً أن يتلقف الرصاص عني، صدقني يا الله لقد حاول جهده… لفّ ذراعيه حولي، ضمّني كثيراً إلى صدره، حماني ووضعني خلفه ولكنّ لا جدوى! اخترقت رصاصة يد أبي أولاً، ومن بعدها رصاصة أخرى أصابت قدمي… تألّمت كثيراً، رحت أصرخ وأبكي، ولكنّ رحمتك قد وسعت كلّ شيء وأردتني أن آتي إليك شهيداً عندما أصابتني الرصاصة الأخيرة في ظهري! تمدّدت على ركبة والدي أقول له اطمئن ولا تخف… ولم أعد أشعر بأيّ شيء… هي لحظات بعدها أتاني ملاك جميل وحملني فوق جناحيه وجئت إليك يا ربيّ كي أشكو لك ما يمرّ علينا في أرضك المقدسة…

هناك أشرار كثر، صهاينة، احتلوا أرضنا وقتلوا شعبنا وهجّرونا من بيوتنا، واليوم سأخبرك يا الله عن الكثير من أصدقائي الأطفال الذين استشهدوا على يد هذا العدو الغاشم، لقد امتهنوا قتلنا، قتلوا الأيام والأحلام، قتلوا النساء والأطفال، قتلوا الحضارة، قتلوا المساجد، وحاولوا قتلنا عند الصلاة، عند السجود، ولكننا يا الله امتلكنا رجالاً يضحّون بأرواحهم لأجل العقيدة، لأجل الوطن، هم وحدهم الذين استطاعوا أن يعرّوا الآخرين أمامنا فنرى تخاذلهم على قدسنا!

ألم تقل لنا يا الله في آيتك الكريمة {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}

واسمح لي في خاتمة شكواي لك أن أقول لهم: “هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ، وتلكَ الأيام نداولُها بين الناس، هذه مرحلة الذهاب في دورة التاريخ، وما الإيابُ عنّا وعنهم ببعيد.”


صبا بزّي| كاتبة لبنانيّة