ماذا يعني أن تكون الأمّ في الأسر؟ ماذا يعني أن يرى العالم أطفالاً يعيشون كالأيتام، يحدّثهم الأب أو الجد أو الجدة أو أحد العمات أو الخالات عن أمّهم قبل النوم، ويحمل لهم صورها ويتذكّرونها كمن يتذكّر أحد الموتى؟! أن يأتي العيد أو يطلع السنّ الأوّل أو يجيء يوم التخرّج من المدرسة أو الجامعة أو خطوبة أو زواج دون ان تحضره الأمّ! دون أن تمشّط شعر ابنتها كلّ مساء وتسمع منها قصصها أو تحضّر لابنها بدلة الرياضة النظيفة قبل أن يذهب ليلعب كرة القدم مع أصدقائه؟ كيف تكون الأمّ أمّاً دون أبنائها؟ بل كيف تحيا دون أن تكون برفقة من ضحّت وتعبت وسهرت لأجلهم وحبّاً بهم؟!

في الحقيقة فإنّ الواقع الذي تعانيه الأمهات الفلسطينيات الأسيرات في سجون الاحتلال أقسى من ذلك حتى! الأسيرة إيناس عصافرة ابنة ال25 عاماً من محافظة الخليل، هي أمّ لمحمد ابن ال5 سنوات وعبد الرحمن ابن ال4 سنوات، وليس هذا فقط، فهي كذلك وزوجة لقاسم عصافرة المعتقل في سجون الاحتلال أيضاً!

كلّ المأساة الفلسطينية في كفّة، ومأساة إيناس وعائلتها في كفّة! لو لم يكن في فلسطين المحتلة غير اعتقال إيناس لكفى بذلك مصيبة ومأساة تهزّ ضمائر العالم وشعوب الأرض. كيف يكون الأب والأم أسيرين، والولدان يربيان كاليتامى وأمهما وأبوهما على قيد الحياة؟! كيف يزور الولدان سجن أمّهما هذا الشهر، ثمّ سجن أبيهما في الشهر الذي بعده؟ هل ينقلان لأمّهما توصيات أبيهما بالصبر والاحتساب؟ أم ينقلان للزوج مشاعر الزوجة وشوقها لسقف واحدٍ يجمع شتات هذه العائلة؟ لأرضٍ واحدة تجمع شتات هذا الشعب الذي حال الاحتلال والعنصرية والإجرام والمؤامرات والظلم بين أبنائه وبناته فغدوا أسرى ومشتتين في سجون الغربة والتهجير واللجوء، يحلمون بعودة إلى وطنٍ – سقفٍ يجمع الأحبّة على مائدة واحدة، وكوب شاي ذات  غروبٍ هادئٍ ليس فيه احتلال.. ليس فيه قهر..

لكنّ مأساةً أخرى أبت إلّا أن تزاحم مآسي الفلسطينيين التي لا تنتهي جرّاء الاحتلال وأفعاله. خالدة جرّار أمّ فلسطينية قبل أن تكون مناضلة وقيادية في الجبهة الشعبية، هي أمّ لابنة بعمر الورد، فصلت بينهما سنين السجن، فأمضت خالدة السنة والنصف الأخيرة بعيدة عن فلذة كبدها. وعندما اقتربت هذه المعاناة من نهايتها، وبقي على محكومية الأمّ ما لا يزيد عن شهرين من الأسر الظالم الجائر الذي يمارس فيه الاحتلال العنف المكثّف على الشعب الفلسطيني حتّى يفرح الأخير بكونه خارج السجن وهو محتلّ الأرض ومنتهك الحقوق والحرمة، ماتت سهى!

ماتت سهى وخارت قوى قلبها! لم يعد يحتمل البعد عن الأمّ، لم تعد الحياة تكفي لتعوّض لها عن غياب الوالدة وكلّ ما يعنيه وجود الوالدة في حياة الإبنة! الأب غسان الذي اعتقل بدوره، والذي يعيش اليوم بعيداً عن زوجته، يودّع ابنته وحيداً!

هذا ما يفعله الاحتلال بالشعوب، بالعائلة، بالإنسان.. يمسخ الحياة لتصبح قبيحة على شاكلته، ثمّ يسعى لتصويرها أنها طبيعية، وأنّ حياة الشعوب الحرّة هي الاستثناء!

عادةً ما يقال عند الخسارات التي تنزل بالإنسان والمصائب التي تحلّ به “العوض على الله”. صحيح ولا شكّ أنّ الله أهل ليعوّض المظلومين من فضله، لكنّ اليوم في فلسطين، العوض الوحيد الذي يبلسم الجراحات البليغة في صدر الإنسان ومعنى الإنسان هو التحرير والعودة، وقبل التحرير وقبل العودة لا عزاء!

رحم الله سهى وكلّ من سبقها ومن سيلحق بها، وثبّت المناضلات والمناضلين في فلسطين على خيارهم الحقّ في الصمود والمواجهة، لعلّ يوماً يأتي يستفيق فيه العالم ويرى الناس ماذا يجري على إخوتهم في الحياة وجيرانهم في ذات الحيّ المسمّى كرة أرضية.