في زمنٍ ليس بالبعيد عن زمن عزّ الدين القسام ورفاقه، وليس بالقريب منه، ظهر بطلٌ آخرٌ كانت له تجربةٌ جريئةٌ وناجحةٌ في الهروب من السجن، وهو بطل الملاكمة حمزة يونس، ابن قرية عارة  في المثلث، جنوب حيفا.

“ماتش ملاكمة” مع الصهاينة!

في بداية العام 1964، وقعت مناوشاتٌ عنيفةٌ بين الملاكم حمزة يونس وابن عمه مكرم يونس وبين صهاينة في إحدى محطات الوقود الصهيونية في الأراضي المحتلة عام 1948. اتّهمه أحد الموظفين حينها أنه تهرّب من دفع الفاتورة وقام بإهانته، ومن ثمّ تجمّع عددٌ من الصهاينة حول حمزة وصديقه وبدأوا بالصراخ عليهم والإشارة أنهم “عرب”، ومن ثمّ الاعتداء عليهم، ممّا حدا بهما للدفاع عن أنفسهما. وكان في حينها من المتكرّر أن يصيح الصهاينة “عربيّ، عربيّ” حتى يهبّ الشبّان الصهاينة ويباشروا بالاعتداء على الفلسطينيّين المتواجدين في المكان بالضرب والإهانة.

بعد أن دفع حمزة ومكرم أذى الصهاينة عنهما، لاذا بالفرار، وعلما فيما بعد، أنّ أحد الصهاينة الّذين تناوشا معهم قد أُصيب بارتجاجٍ في المخّ وحالته صعبة، فقرّرا الهروب إلى غزة حتى لا يقعا في الأسر. نجح حمزة ومكرم في تخطّي الحدود ودخول قطاع غزة الذي كان تحت السيطرة المصريّة في حينه.

توّجه حمزة ومكرم إلى أحد مراكز الشرطة في غزة، وقابلا رجالاً من المخابرت المصريّة، الّذين طلبوا منهما العودة من حيث أتيا. يقول حمزة في كتابه الذي يوثّق فيه سيرته الذاتية “الهروب من سجن الرملة”: “كنتُ أتصوّر أنني معروفٌ إلى حدٍ ما لدى المخابرات المصريّة والعربيّة عموماً، وأنّ معلوماتهم عنّي، كرياضيّ على الأقل، تكفي لمقابلتنا باهتمامٍ وتفهّمِ سبب هربنا. كان لديهم بعض المعلومات عنّي وعن مشاكلي مع الشرطة، لكنهم بالرغم من ذلك استقبلونا بفتورٍ، وقرّروا أن نعود أدراجنا دون أن يُرشدوننا إلى الطريق الآمنة للعودة! تركونا نسلك طريقاً وعراً قد لا يكون خالياً من حقول الألغام . وأدّت عودتنا العشوائية إلى القبض علينا، حيث ركبنا حافلةً متّجهةً من بئر السبع إلى عسقلان، وهذه المنطقة من المناطق المحظورة على العرب”.

اعتُقل حمزة ومكرم في الأوّل من نيسان عام 1964 بعد عودتهما من غزة، وزُجّ بهما في سجن عسقلان، ووُجّهتْ لهما التّهم التالية: مغادرة البلاد والعودة إليها دون تصريح، والاتّصال مع العدوّ، وتزويد العدوّ بمعلوماتٍ تضرُّ بأمن الدولة، وخيانة الدولة، وإخفاء معلوماتٍ عن رجال الأمن، والإصرار على الاتصال بالعدوّ.

بعد ثلاثة أيامٍ من اعتقال حمزة ومكرم، حضر محامٍ موكّلٌ من طرف أهلهم بالدفاع عنهم، وطلب منه حمزة أن لا يعود وأن يخبر الأهل بأنّه لا ضرورة لحضورهم . لم يفهم مكرم سبب هذا التصرف من ابن عمه وصديقه حمزة، فبادر الأخيرُ بالشرح له: “لأنّ المحامي لن يفيدنا ما دامت التّهم الموجهة إلينا كافيةً لحبسنا سنواتٍ طويلة”. يقول حمزة في كتابه إنّه قال يومها لابن عمه مكرم: “ليس لدي استعدادٌ للبقاء في السجن شهراً واحداً، أضِفْ إلى ذلك احتمال موت العامل المضروب..”.

 إذن، كان يفكّر حمزة منذ الأسبوع الأول لاعتقاله بالهروب، ويرفض بشكلٍ صارخٍ أن يقبل بتقييد حريته أو أن يقضي حكماً بالسجن لدى الاحتلال. ولم يكن ذلك التفكير بالهروب عابراً أو مجرد ردّة فعلٍ أوليّةٍ على حقيقة أنّه وقع في الأسر، إنّما كان يعكس رغبةً حقيقيةً صدّقها حمزة بالتنفيذ الفعليّ، مرة، ومرتين، وثلاثة.

الهروب الأول

بدأ حمزة الانشغال بفكرة الهروب، كيف، ولماذا. أمّا بالنسبة لسؤال “الكيف”، فقد كانت المشكلة الأساسية التي تعترض نجاح الهروب هي أن الباب الحديديّ الرئيسيّ لغرفة الموقوفين يُغلق دوماً بإحكامٍ، ولا يُمكن فتحه إلّا من الخارج.

عدا عن ذلك، وبعد هذا الباب، هناك حراسٌ متواجدون باستمرارٍ، وهناك أبوابٌ زجاجيةٌ تكشِفُ ما يحصلُ في كلّ السجن، وأخيراً، يوجد حول السجن شريطٌ شائكٌ له بابٌ واحدٌ فقط، وعليه حارسٌ مسلّحٌ. فكيف يُمكن تخطي كلّ هذه الحواجز والعقبات أمام طريق الهروب.

أما عن سؤال “لماذا”، فقط شكّل الهروب هاجساً في نفس حمزة، وكان الأمر بالنسبة له موقفاً مبدئياً يجب أن يتّخذه وإلا “قد ينتهي”. يقول في كتابه أنّه كُلّما خلا بنفسه سألها: “هل أستطيع أن أنتصر على “إسرائيل” منفرداً؟ لستُ مسلّحاً ولا حتى مدرّباً على السلاح، فهل يُمكن أن أحرزَ نصراً على ترسانة السلاح والطائرات ودولة الجيش والشرطة والأمن وكلاب الأثر؟”.

حمزة في مقابلة قريبة مع وكالة القدس

وكلّما شعر أنّ الخوف واليأس قد يتمكّنا منه في لحظة ضعفٍ ما، طرد تلك المشاعر بحوارٍ آخر يجريه مع نفسه: “وماذا أفعل إذن؟ هل أتراجع وأستسلم لأقبعَ في السجن مدةٍ مجهولةٍ؟ ما الفرق بين السجن وبين القبر؟ “.

كان حمزة قد أخبر أسيراً عربياً ثالثاً معهما في نفس غرفة التوقيف يُدعى حافظ مصالحة، متهمٌ بالتخابر مع المصريّين، بنيّة الهروب، فانضمّ الأخير إليهما في خطتهما. أما باقي المساجين، فكانوا فلسطينيّين اثنين وعشرة آخرين من اليهود المتّهمين بتهمٍ جنائيةٍ. وفي نفس اليوم الذي قرّر فيه الأبطالُ الثلاثةُ الهروب، أخبر حمزة جميع من في غرفة التوقيف من مساجين بنيّة الهروب، حتّى يلعبوا دوراً في مساعدتهم على تنفيذ الخطّة. ادّعى حمزة يومها أمام المساجين اليهود أنّ المساجين العرب لا يعرفون بذلك، وطلب منهم كتم الخبر عن العرب، في محاولةٍ لحماية الأسيريْن العربيّيْن من العقاب لاحقاً. كما ادّعى حمزة أمام المساجين اليهود بأنّهم – حمزة ومكرم وحافظ – يملكون جوازات سفرٍ مزوّرةٍ وأن هناك من ينتظرهم للهرب إلى أوروبا.

بعد أن أفشى حمزة بالسرّ لجميع من في غرفة التوقيف بدأ التوتر يُسيطر عليه، وبدأ يتوجّس من أن يُفشي أحدهم بالسرّ إلى الحراس، فانشغل بمراقبتهم. وفي محاولةٍ لدفع التوتر بعيداً، يُخبرنا في مذكّراته أنّه وضع يَدَه في يدِّ صديقه مكرم وأقسم أنه لا يمكن له أن يقضي تلك الليلة – وكانت ليلة السبت 17 نيسان 1964 – في السّجن، وأنه لا مجال للتراجع، وأنه سيكون في اليوم التالي إمّا في غزة، أو مُعتقلاً مُصاباً في المستشفى، أو شهيداً في العالم الآخر.

لم تكنْ خطّة الهروب التي فكّر بها حمزة معقدةً، وكانت تعتمد أساساً على عنصريْ المباغتة والجري السّريع. تنصّ الخطّة على استدراج أحد الحرّاس لفتح الباب الحديديّ، بينما يكون الأسرى الثلاثة – حمزة ومكرم وحافط – قد كَمِنوا خلفه، وبمجرّد فتح الباب يهمّ الثلاثة بالفرار بأقصى سرعةٍ إلى خارج السجن.

معركة الهروب

“طلبتُ من سجينٍ يهوديٍّ، هو أصغرُ المساجين سناً، يُدعى “شلومو” وهو في الخامسة عشر من العمر أن يدقَّ الباب ويقول للحارس إنّ المساجين العرب أخذوا فراشه، وفي الوقت نفسه رحنا نفتعل مع سائر المساجين ضجيجاً يُوهم بالعراك، فعل “شلومو” ما طلبتُ منه، وحين نظر الحارس من طاقة الباب، طلب من الفتى السجين أن ينتظر قليلاً حتى يستدعي زملاءه لفتح الباب. كانت تقاليد فتح الباب تقضي بوجود قوّة لا تقلُّ عن ثلاثة حراس ليدخل اثنان منهما فقط، ويبقى الثالث مسلّحاً خارج الباب للحراسة.

استدعى الحارس زملاءه، وفي هذه اللحظة وحسب الخطة، دخل مكرم وحافظ مصالحة إلى الحمام المقابل للباب الحديديّ، بينما كَمِنتُ خلف الباب مباشرةً وتحت النافذة بحيث لا يستطيع الحارس أن يراني عند فتحها، انتظرتُ في موقعي وشعرتُ بأنّ الوقت يمرُّ ببطءٍ شديدٍ، فضربتُ الباب برجلي، فصاح الحارس: “لحظة! نحن قادمون، لا تطرقوا الباب!

سمعتُ وقع أقدامٍ تتّجه نحونا، ثمّ فتح الباب بالمفتاح، وبعد ذلك فتح القفل. عندما سمعتُ فتح القفل وقفتُ ودفعتُ الباب بقوّةٍ، ولأنّ الباب من حديد فقد توقعتُ أن يسقط كلّ من يقف خلفه، لكنّي فوجئتُ به ينفتح بسهولةٍ وأسقطني الاندفاع في حضن الشاويش، ولحسن الحظ أنه كان كهلاً قصيراً أصلعاً.

في هذه اللحظة، ظهر مكرم من ورائي وضرب الشاويش الأصلع على رأسه فأسقطه على الأرض، بينما قمتُ بضرب العسكريّ الذي يحمل السلاح فسقط على الأرض كذلك، ثمّ ضربتُ العسكريّ الثالث. كان هذا العراك يجري أمام الحراس الجالسين في النظارة، وعندما صاح الحارس: “شرطة، شرطة!” انطلقتْ صفّارات الإنذار، فاتّجه الحرّاس نحونا يحملون مسدساتهم فقط، فاشتبكنا معهم بالأيدي، وحسب تعليمات الخطّة كنا نتفادى التماسك معهم لنختصر الوقت مدركين أنّ سلاحنا الوحيد هو عنصر المباغتة واختصار الوقت ومغادرة السجن قبل أن يفيقوا من ذهولهم ويجتمعوا حولنا.

استعملنا في الاشتباك الكراسي وكلّ الأشياء الموجودة في النظارة، ونظراً لجرح اثنين من الحرّاس، وارتفاع صراخهما، ونزيف دمائهما، فقد ساد المكان جوٌّ من الذعر والفوضى، وانتقلتْ المعركة إلى ساحة السجن حيث جاء بعض الحرّاس بالبيجامات. انطلق مكرم إلى الباب الخارجيّ للسجن وكان أمامه رجلٌ مسلّحٌ، وعندما رأى مكرم متّجها إليه حاول إطلاق النار من رشاشه، وكنتُ أجري خلف مكرم، فصرختُ في الحارس فابتعد، فانطلقتُ مسرعاً خلف مكرم، فتناول حجراً ليقذفني به معتقداً أنني من الحراس ، فصرختُ به وقلت: “حمزة، حمزة”.

عندما صرنا على بعد مئة مترٍ من مبنى السجن، بدأ إطلاق النار بشكلٍ كثيفٍ وعشوائيٍّ، لكنّنا واصلنا الجري نحو البيارة التي تقع على بعد مئتي مترٍ من ذلك المبنى الكريه، وكان حافظ قد سبقنا إلى البيارة فناديناه وانطلقنا ثلاثتنا باتجاه غزة.

قررنا أن نسلك طريقاً وعرةً تجعل ملاحقتنا بالسيارة صعبةً، بلّ مستحيلةً. كنا نعرفُ أنهم سيلاحقوننا بالجيش وحرس الحدود والشرطة مع كلاب الأثر، لذلك تعمّدنا أن نسيرَ قرب البحر لندخل فيه إذا تمكّنوا من اللحاق بنا، ذلك لأنّ ملاحقتنا بقوّةٍ بحريةٍ يتطلب منهم وقتاً طويلاً”. 

وهكذا، وبعد أربع ساعاتٍ من الهروب،  وصل الأسرى الثلاثة إلى غزة في منتصف الليل. وقد أثارت تجربة الهروب هذه عاصفةً في دولة الاحتلال، إذ عقد الكنيست جلسةً لبحث الأمر ومساءلة الحكومة عن سياسات الأمن في السجون، وقد أسفر ذلك عن طرد مدير السجن ونائبه وأربعةٍ من الحراس.

وينقل حمزة في كتابه أنّ جريدة “معاريف” الصهيونية نشرتْ في اليوم التالي حبر هروبهم معنونةً إيّاه: “هروبُ ثلاثة مساجين أمنيّين من سجن عسقلان، وقام رجال الجيش وحرس الحدود بمطاردتهم مع 152 شرطياً معهم كلاب الأثر”، وأرفقتْ الجريدة إلى جانب الخبر رسماً كاريكاتيرياً يُبيّن أنّ الكلاب عادت خائبةً وأن الهاربين وصلوا سالمين. أمّا جريدة “يديعوت أحرونوت” فقد نشرتْ رسماً كاريكاتيرياً يُظهر مدير السجن ساقطاً على الأرض، بينما يمرّ من فوقه شابٌ عربيٌّ قائلا له: “عن إذنك .. أنا ذاهبٌ إلى غزة”.

للقصة تتمة

لم تكنْ تلك التجربة الأخيرة للبطل حمزة في الهروب من السجن. فقد انضمّ حمزة يونس وابن عمه مكرم للمناضلين في غزة التي عاش فيها بعد الهروب، ومن ثمّ شارك في معارك عام 1967 ورفض الانسحاب مع القوات المصريّة، واستمرّ في القتال حتى نفذت ذخيرته، وقد أُصيب بالرصاص في قدميه، ووقع أسيراً في يد قوات الاحتلال.

لم تدُم الفرحة الصهيونية باعتقال حمزة طويلاً، فقد نجح للمرة الثانية في الهروب من المستشفى حيث كان يُعالج من إصابته، ومن ثمّ وصل إلى عمّان، ومنها إلى بيروت، حيث انضمّ إلى حركة فتح، واشتركَ في تشكيل الخلايا المسلّحة التي نشطتْ ضدّ الاحتلال في شمال فلسطين. وحتى بعد أن اعتُقل للمرة الثالثة في العام 1971 خلال مشاركته في خليةٍ حاولت التسلّل إلى فلسطين عبرَ البحر، وحُكِم عليه بالسجن المؤبد في سجن الرملة، لم يستسلم صاحبنا، وقرّر الهروب للمرة الثالثة، وكان له ذلك عن طريق الهروب من نافذةِ غرفة المغسلة في سجن الرملة، حتّى وصل لبنان مرة أخرى، ورجع للعمل في صفوف المقاومة الفلسطينية عبر حركة فتح!!!

وقد كتب البطل حمزة قصته مفصلة في كتاب “الهروب من سجن الرملة”، يمكن لمن يريد الإطّلاع على تفاصيل قصته العودة إليه.

(هذا المقال كتب ونشر على موقع باب الواد وتمّ إعادة نشره في هذا الملف بتصرّف)