بدا المشهد العالمي في التضامن مع شارلي ايبدو، المجلّة الفرنسية التي نشرت صوراً مسيئةً لنبي الإسلام، في غاية التشدّد والصلابة. الرسوم التي أدّت إلى حالة غضب عمّت بلاد المسلمين ومناطق انتشارهم في العالم، بسبب ما اعتبروه بشكل صريح وواضح إهانةً لنبيّهم الذي يقدّسونه ويكنّون له مشاعر الحب والانتماء، أعقبها ردود فعل من بعض المسلمين. لكنّ الموقف الرسمي الفرنسي والأوروبي ومن ورائه العالمي كان متصلّباً في الدفاع عن حقوق التعبير عن الرأي وحريّة الإعلام، إلى درجة فضّل فيها بعض الإعلاميين الموت على أن يكتم أحدهم صوتهم “الناقد”.

هذا المشهد الدرامي المؤثّر في التضامن مع الجريدة ورسوماتها الساخرة من رمز مقدّس عن مليار ومئات الملايين من البشر، يغدو مهزلة كاريكاتورية إذا ما أُسقطت معاييره على المشهد الإلكتروني الفلسطيني. مهزلة تصلح لوضع مقاطع فيديو تصوّر تعابير وجه عادل إمام المصدوم، بعد كلّ تعليق حول مدى قداسة حرية التعبير عن الرأي والحريات الإعلامية في القرن الواحد والعشرين، وفوق كلّ مشهدٍ سؤالٌ يُزعجُ خاطرَ اولئك لم يغادروا جزيرة الرأي العام الموجّه من قبل صهاينة العالم: هل فلسطين استثناء؟

فقد أفاد مركز صدى سوشيال، وهو مركز متخصص بتتبّع الحظر والتضييقات المفروضة على المحتوى الفلسطيني على المنصات الرقمية، بأنّه وثّق خلال شهر أكتوبر/ تشرين الأول “تنامي كبير في انتهاكات إدارات مواقع التواصل الاجتماعي بحق المحتوى والرواية الفلسطينية”.

كاريكاتور لنتنياهو وحظر تويتر

ولفت المركز إلى أنّ “نسبة الانتهاكات التي وصلت للمركز بلغت 104 حالة كان جلّها على منصة تويتر التي استجابت لضغوطٍ إسرائيلية، حيث قامت وزيرة الشؤون الإستراتيجية في حكومة الاحتلال أوريت كوهين بالضغط على تويتر لحذف ٢٥٠ حسابًا على تويتر”.

وزارة الشؤون الاستراتيجية التي ترأسها كوهين، جاءت كردّ فعل من قبل الاحتلال على تنامي الحركات المعادية للاحتلال الاسرائيلي لفلسطين والداعية إلى مواجهة الاحتلال وفضح جرائمه وتأليب الرأي العام العالمي ضدّه على منصات العالم الافتراضي.

هذه الحركات التي تتميّز بقدرتها على مخاطبة العالم والتوجه إلى أكبر فئة من المتابعين ولا سيما الشباب وبأقلّ التكاليف، شكّلت ثغرة في الرقابة الإعلامية التي يفرضها الاحتلال على فلسطين وشعبها منذ سيطرته عليها عام 1948، ممّا جعل الحكومة الاسرائيلية تنتفض لمواجهتها بشكل رسمي، عبر إنشاء وزارة خاصة لمواجهة هذه الحملات والحركات والمنصات الاعلامية.

ويستفيد اليوم الاحتلال من “الخوارزميات” التي تنبش المحتوى المعروض على المنصات بحثاً عن مفردات وأنماط “محظورة” لتقوم مباشرة بتصنيف الحساب ضمن فئة “الحسابات ذات المحتوى الحساس” والتي يتمّ التضييق عليها ومنعها من النشر والبث المباشر ومراجعة منشوراتها بشكل أدقّ من قبل أشخاص فعليين وأحياناً يقوم الموقع بإغلاق المنصة أو الصفحة أو الحساب مباشرة كما حصل مع تويتر ويحصل في فيسبوك مؤخّراً.

تعتبر هذه الخطوة مؤشرًا خطيرًا لسرعة تجاوب إدارة منصة تويتر مع الطلبات الرسمية الإسرائيلية، والذي يمثل خرقًا واضحًا للقانون الدولي والمبادئ التي من المفترض أنّ منصة تويتر تتبناها. كما يستمر موقع فيسبوك في حملته ضد الحسابات والصفحات الفلسطينية عن طريق حذفها وتقييد النشر عليها، حيث تم استهداف العديد من الحسابات التي أحّيت مثلاً ذكرى استشهاد فتحي الشـقاقـي، أو التي عبرت عن تضامنها مع الأسيرة المحررة أحلام التميمي وماهر الأخرس.

وكما أكَّد المركز أنّ “عدد الانتهاكات على منصة فيسبوك بلغت 29 انتهاكًا، بينما على منصة انستغرام 6 وعلى موقع يوتيوب حالة واحدة”. ويعمل المركز في السعي لإعادة الحسابات المعطّلة، وإرسال إعتراض قانوني إلى إدارة هذه المنصات طعناً في قراراتها ومتابعة موضوع الحظر الإعلامي ومواجهته قضائياً.

وقام العديد من الناشطين بالتغريد على هاشتاغ #TwitterCensorsPalestine تضامناً مع الحسابات المغلقة، وتأكيداً على أنّ طمس هوية الشعب الفلسطيني وتغييب قضيته عن الرأي العام العالمي ليس إلا خوفاً من قوّة الحقّ ومحاولة للتعمية على فضائح العدو وانتهاكاته ضدّ الانسانية.