بعد خروج “وسام” من غرفة العمليات وبعد أن استيقظت من تأثير المخدّر أخبرتها الممرضة أنّها كانت تهلوس بكلماتٍ غريبة وغير مفهومة لم تفهم منها شيئًا ثمّ ابتسمت الممرضة وأقبلت وهي تحمل لها مولودها بين يديها، احتضنتهُ أمّه وراحت تشمّ رائحته كي تسكّن آلام مخاضها وخوفها على عمرها الذي ولد للتوّ في صبيحة السابع والعشرين من شهر كانون الثاني من العام 1986 في مدينةٍ يحتلّها الطُغاة. جلسَ زوجها إلى جوارها وقبّل رأسها مباركًا لها ما أنجبت، ثمّ حمل طفله بين ذراعيه وراح يحدّق في ملامحه الرقيقة حتّى لامست شفتاه خدّه الأيمن وراح يهمس في أذنهِ اليمنى كلمات الأذان فامتزج صوته مع صوت أجراس الكنائس المنبعث من أحياء “بيت لحم”، تنهّد أبوه ونظر خارج النافذة مبتسمًا ولكنّ الغصّة ظلّت عالقة في حلقهِ.

هل اخترتَ لهُ اسمًا؟ تسأل زوجتهُ.

 هزّ رأسه علامة الإيجاب قائلًا: “عندما نطقت بجملةِ: “الله أكبر” شدّ بيدهُ الصغيرة البريئة على يدي العاجزة التي أصابتها شتائم الاحتلال اليوميّة وأنا عاجزٌ عن تحريكها ورفعها في وجههم فشعرت بصلابةِ أنامله التي لامست عمق قلبي، شعرت برسالةِ بأسٍ إلهيّة… سنسمّيه باسل”.

كبُر ذاك الطفل المشاكس الذي عاند والدتهُ وهي تقنعه يوميًّا بقولها: “لا تتأخّر بعد المدرسة، عُد مسرعًا إلى البيت” ولكنّه كان يخالف وعوده أحيانًا فيرمي بحقيبته المدرسيّة أمام الباب ويفرّ بحثًا عن الحقيقة بين بيوت الزقاق القديم حيثُ ترعرع ونشأ، ويتساءل سرًّا على الرغم من صغر سنّه عن صمود تلك الأرواح التي تسكن خلف تلك الجدران العتيقة التي تبدو أنّها قائمة على صبر نسائها وتضحيات شبّانها. ارتدى الكوفيّة وهو في سنّ صغيرة ولم يخلعها حتّى عند مروره الحاجز، كانت تلائمه جدًّا، تقول أمّهُ: “لقد بدا لي ثوريًّا من اللحظة التي اشترى له والده تلك الكوفيّة في عيد ميلاده العاشر” وتكمل مُبتسمة: “كان عنده حب استطلاع فظيع جدًا منذ الصّغر ولم يهدأ حتى يُشفي فضوله للمعرفة والاستكشاف”. أبناؤنا يكبرون فجأة على الرغم من طفولتهم الجائعة. بلغ الفتى الثمانيةَ عشر من عمرهِ وأنهى الثانويّة العامّة وسافر بعدها قاصدًا مصر وبعد سنوات وجيزة عاد منها حائزًا على شهادة الصيدلة فعمل بعدها في إحدى صيدليات عاصمة الأرض، أعني عاصمة فلسطين “القدس”. كان مثالًا للشاب المثقّف الواعي فوقع في الأسر أكثر من مرّة بعد أن صوّب بوصلته لابتكار ركيزة أساسيّة حيال الثورة والنضال بوجه الاحتلال فعمل على دراسة وتوثيق الثورة الفلسطينية ومراحل مقاومة هذا الاحتلال، وكان يعمل على تنظيم رحلات ميدانية لمجموعات ينظّمها الملتقى التربوي العربي في مناطق فلسطينية لها تاريخها في الثورة الفلسطينية.

نظر إلى ساعته اليدويّة وهو يكتب مقالهُ الأخير، كانت السّاعة قرابة الواحدة بعد منتصف الليل، شهيقٌ طويلٌ استفزّ رئتيه عندما دخل إلى صدره آخر عبق أوكسيجين من هواء رام الله وهو يجلس على أريكته مرتاحًا، يبدو له الجوّ هادئًا بعض الشيء، لم يشعر بدخول القوّة الخاصّة إلاّ عندما أصبحت السنتيمترات تفصل بينهم، تحصّن في إحدى زوايا المنزل ليواجههم بعدها في معركة دامت لمدّة ساعتين ولم يستطيعوا النَيْل منه إلاّ عندما نفدت ذخيرته…

المشهد لا يمكن أن يتكرر، الصورة التي تركها لنا باسل الأعرج ابن الواحد والثلاثين ربيعًا لا بل خريفًا، المثقّف المشتبك الذي ترك خلفه كوفيّة يتيمة وكُتب مُلقاة على الأرضِ يبدو أنّها فارقت الحياة بعده، فلتلك الصفحات روح تنمو مع أنفاس قرّائها وحينما غاب باسل غابت معه كلّ أشيائه حتّى الحقيقة ولم يتبقّ منه سوى وصيّة يبدو أنّه استرسل في عمقها وفهمها ليكون لها كلّ هذا التأثير:

“بسم الله الرحمن الرحيم”

تحيّة العروبة والوطن والتحرير.

إذا كنت تقرأ هنا فهذا يعني أنّي قد مت، وقد صعدت الروح إلى خالقها، وأدعو الله أن ألاقيه بقلبٍ سليمٍ مقبل غير مدبر، بإخلاصٍ دون ذرة رياء.

 لكم من الصعب أن تكتب وصيّتك ومنذ سنين انقضت وأنا أتأمل كل وصايا الشهداء التي كتبوها، ولطالما حدثتني تلك الوصايا، مختصرة سريعة مختزلة فاقدة البلاغة ولا تشفي غليلنا في البحث عن أسئلة الشهادة. وأنا الآن أسير إلى حتفي راضيًا مقتنعًا وجدتُ أجوبتي، يا ويلي ما أحمقني، وهل هناك أبلغ وأفصح من فعل الشهيد. وكان من المفروض أن أكتب هذا قبل شهور طويلة، إلا أنّ ما أقعدني عن هذا هو أن هذا سؤالكم أنتم الأحياء. فلماذا أجيب أنا عنكم، فلتبحثوا أنتم، أمّا نحن أهل القبور فلا نبحث إلا عن رحمة الله.

أّمّا لأنثاه التي بكتهُ سرًّا يبدو لي وكأنّه كتب لها: “انتظريني، سأعود يومًا حاملًا كوفيتّي التي بلّلوها بدمائي وسأمسح دمعكِ الذي أرهقه فعل الغياب وأعيدك إلى قلبي الذي اشتاقكِ على الرغم من الحصار ولا تنسي أن تعيديني إليكِ، ويوم يحين وقت ولادتكِ قبّلي طفلنا الذي حلمت بأن تُنجبيه لي ليحمل اسمي ودمي وكوفيّتي ويرتدي نظارَتي التي تركتها فوق الأريكة الممزقة من طلقات الرصاص، قولي لطفلنا الذي لم أره قط بأنّني أحبّه جدًّا ولكنّني أحبّكِ أكثر”.


غوى قصير| كاتبة لبنانية