خلال الـ 30 ساعة الأخيرة نفّذ طيران الاحتلال الإسرائيلي أكثر من 200 غارة جوية على أهداف في قطاع غزة، ممّا أدّى إلى ارتفاع عدد الشهداء الذين سقطوا في العدوان المستمرّ على القطاع منذ الإثنين الماضي من 65 شهيداً ليل الأربعاء إلى 120 شهيداً ظهر الجمعة في حصيلة رسمية أصدرتها وزارة الصحة الفلسطينية، بينهم 28 طفلاً و15 امرأة، فيما وصل عدد الجرحى والمصابين إلى 830 جريحاً بينهم ما يزيد على 150 طفلاً وامرأة. كما استهدف الاحتلال شاباً فلسطينياً في سيارته على أحد حواجزه في الضفة بالرصاص الحيّ ما أدى إلى استشهاده على الفور.

22 امرأةً وطفلاً فلسطينياً كانوا ضحايا لقصف الاحتلال الهمجيّ لأحياء غزة أمس، في رقم يظهر بوضوح عجز جيش الاحتلال عن استهداف المقاومين وانتهاء بنك الأهداف الذي لطالما هدّد به وتحدّث عنه رؤساء الكيان.

استهداف الطائرات الحربية لم يتركّز هذه المرة على الأبراج السكنية الكبيرة، بل تحوّل إلى استهداف الأحياء السكنية المكتظة بشكل متكرّر وبقذائف ضخمة لم تسلم منها لا الأراضي الزراعية ولا المقابر. القصف يستخدم فيه كذلك سلاح المدفعية الثقيلة الذي يقصف بشكل مكثّف أحياء غزة المتاخمة لمستوطنات الغلاف في عملية تمشيط بدأت منذ ليل أمس وسط تهويل كبير في وسائل الإعلام الصهيونية بتوجّه جيش الاحتلال للدخول في عملية برية.

تهويل فضحه الإعلام الصهيوني نفسه في كلام بعض الصحافيين عن توجيه كبير من جيش الاحتلال لتقديم أخبار وهمية عن دخول قوات العدوّ إلى أطراف القطاع مع بثّ صور ومقاطع فيديو لحشود عسكرية على تخوم القطاع. وفيما انبلج صبح الجمعة عن عشرات الشهداء والجرحى نصفهم من النساء والأطفال، بدا واضحاً أنّ كلام الليل “التهويلي” بالدخول إلى غزّة يمحوه ضوء النهار الذي أعاد للمتابعين المتضامنين مع فلسطين وشعبها اليقين بأنّ الصمود هو خيار الغزاويين في وجه إرهاب الصهاينة وأنّ العدوّ لن يتمكّن من كسر إرادة الفلسطينيين الصلبة في غزة كما لم يتمكّن من كسرها في القدس وباب العامود.

على الصعيد المقابل، فقد حقق الفلسطينيون توازناً مهماً في الحرب مع المحتلّ الصهيوني هذه المرّة. فالمعركة الحالية التي بدأت بقيام الاحتلال بمصادرة بيوت المقدسيين والتنكيل بهم وسط ارتفاع كبير في استهداف الفلسطينيين على الحواجز وحملات اعتقالات ضخمة أدّت لتدخّل المقاومة الفلسطينية للدفاع عن أهلها في فلسطين، أثبتت أوّلاً أنّ سعي الاحتلال للتفريق بين القطاع والضفة والداخل المحتلّ هو وهم وسراب لا واقع له. الفلسطينيون كلهم يدٌ واحدة وقلب واحد وهم يمارسون اليوم أعلى درجات الوعي الجماعي في مواجهة المحتلّ عبر التكاتف والصمود والانتصار لبعضهم البعض.

فقد شهدت الضفة والداخل عمليات مسلّحة وأخرى بالسكاكين والحجارة والزجاجات الحارقة ضدّ مراكز الاحتلال والمستوطنين، أدّت إلى وقوع قتلى وجرحى بينهم بعد أن كان المستوطنون دائماً هم من يقوم بالاعتداء على الفلسطينيين متسلّحين بقوانين تجيز لهم حمل السلاح والتنكيل بالفلسطينيين ومحاكم تتنافس في تخفيف أيّ حكم يكون فيه الفلسطيني هو صاحب الحق.

فرض الاحتلال اليوم الجمعة حظر تجوّل تام في الداخل الفلسطيني، كما أكّد أنّ الجيش سينتشر في الضفة بشكل أكبر لضمان أمن مستوطنيه وأملاكهم. لكنّ أحداً لا يصدّق أنّ هذا الإجراء سينفع مع الشعب الفلسطيني الذي ينتفض اليوم بشكل موحّد في انتفاضة شعبية لم يعرف لها الاحتلال مثيلاً منذ عشرين سنة.

الداخل المحتلّ هذه المرة لم يكن بمنأىً عن المعركة كما كان العدوّ يروّج دائماً في حروبه السابقة. ففي الوقت الذي دمّر فيه الاحتلال 500 وحدة سكنية و60 مقرّاً حكومياً فلسطينياً إلى اليوم، فإنّ الصواريخ التي أطلقها الفلسطينيون أوقعت 8 قتلى وأكثر من 250 جريحاً حتى الآن باعترافات العدوّ، مع تضرّر 880 مبنىً وإعطاب 858 سيّارة وتشريد 72 عائلة من المستوطنين الصهاينة أصبحوا بدورهم بلا مأوى بعد تهدّم بيوتهم بالكامل.

هذه القوّة التي يقابل بها المقاومون إجرام الاحتلال هي الأمل الوحيد اليوم بأن يأتي الوقت الذي يصبح فيه كيان الاحتلال عاجزاً عن استهداف الفلسطينيين ومردوعاً عن التنكيل بهم خوفاً من قرارات المقاومة بالردّ عليه. فقرارات المقاومة وحدها هي التي تصنع الفرق في المعادلات مع الاحتلال، أمّا قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن المنحازين دائماً لصالح الكيان في التوقيت والشكل والمضمون فهي مجرّد حبر على ورق يضرب بها الصهاينة عرض الحائط منذ 1948 إلى اليوم.

اللدّ المحتلة تصدّرت المشهد وسط ارتفاع كبير في قوّة الحراك الشعبيّ ضدّ المحتل رغم كون الفلسطينيين لا يشكلون سوى ربع عدد سكان المدينة، ورغم كونهم مضطهدين ومستضعفين في أحياء المدينة القديمة والفقيرة من قبل المستوطنين الصهاينة الذين يتعرّضون لهم بشكل دائم مدعومين من قوات الشرطة والبلديات والمحاكم الجائرة. إطلاق نار ضدّ مستوطنين حاولوا اقتحام الحيّ الفلسطيني، وإحراق لكنيس صهيونيّ يستخدمه متشددون، مع استمرار لعصيان قرار منع التجوّل في المدينة من قبل شبابها رغم تعرّضهم لحملة اعتقالات واسعة صباح اليوم الجمعة هدفت للإمساك بقادة الانتفاضة اللّدّواية. كذلك في الخليل وحيفا ودن وقرىً عدّة في داخل فلسطين كما في الضفة المحتلّة، خرج الفلسطينيون في حشود غاضبة ضدّ الاحتلال وتضامناً مع غزة وأدّت لمواجهات مع قوات الشرطة.

لا زالت قوّات شرطة الاحتلال تمنع المستوطنين من دخول الأقصى حرصاً على حياتهم، وسط تمسّك من الفلسطينيين بالرباط فيه تجلّى بصلاة العيد التي شارك فيها حوالي 100 ألف فلسطيني فيما شارك اليوم الجمعة عشرات الآلاف في صلاة استقبال الجمعة الأولى من شوّال.

وفي ظلّ استمرار الغارات الصهيونية تستمرّ عمليات إطلاق الصواريخ مع تواصل اشتباكات الشبان الفلسطينيين مع الصهاينة مستوطنين وشرطة في الخليل والضفة لا سيما رام الله وبيت لحم.