“إذا سقط حي الشيخ جراح لن تنتهي القضية هنا، بل ستسقط الأحياء الاخرى وبوقت أسرع”.

عبارة صريحة وواضحة لأحد عن مدى تسلط العدو الصهيوني وأحقية قضية أهالي حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، حيث ما زالت معاناتهم مستمرة منذ النكبة وحتى يومنا هذا.

كيف بدأت قصة الحيّ؟

في عام 1956، تكفّلت الحكومة الأردنية بالاتفاق مع منظمة غوث اللاجئين ببناء حي الشيخ جراح وتسليم ملكيته بالتدريج، خلال ثلاث سنوات، لسكان الحيّ المهجّرين أصلاً من أراضي ال48. مرّت السنوات الثلاث وفوقها عقود ستّة وما زالت معاملات ملكية الأرض غير منجزة تماماً، بالتالي تمثل هذه الثغرة المدخل الذي يستفيد منه الإحتلال ومحاموه للضغط على الأهالي لإخلاء منازلهم وتهجيرهم من القدس كاملةً.

لم تتوقف معاناة أهالي الشيخ جراح منذ ذلك الحين، بل ازداد الضغط عليهم مع الحديث عن صفقة القرن، وما تلاها من نقل للسفارات إلى القدس والاعتراف العربي غير المباشر بالصفقة من خلال التهافت على التطبيع. فقد عملت الجمعيات الاستيطانية المتنوعة وبدعم علني من بلدية القدس، على وضع مخططات استيطانية متنوعة لحي الشيخ جراح تبدأ ببناء أبراج سكنية للمستوطنين الصهاينة، مروراً ببناء كُنُس ودور نشاطات وتعليم، ولا تنتهي بموقع تذكاري ضخم لجنود المظليين الذين قتلو هناك عام 1967 خلال احتلالهم لشرق القدس.

لماذا حي الشيخ جراح؟

في نظرة سريعة على الحي وتاريخه، يتبين أن الحي هو نتاج الإحتلال الصهيوني لفلسطين منذ النكبة وخاصة احتلالها لأراضي ال48 وتهجير الشعب الفلسطيني من قراه الآمنة إلى الداخل والخارج، في مخطط كامل للسيطرة على الأرض وسلخ أهلها عنها.
إسكافي، الجاعوني، الكرد، القاسم وغيرها من العائلات الفلسطينية الأصيلة نزحت من قراها وتمركزت في حي الشيخ جراح باتفاق علني صريح بين الحكومة الأردنية والأونروا، وباتت ملكية الأرض قانوناً لتلك العائلات المهجرة ضمن أرضها وبلدها وبين أهلها وناسها. لم تكتمل وثائق تلك الإتفاقية، عمداً أم سهواً، ولم تذيَّل كاملة بتوقيع أطراف الإتفاق. والمعلوم أن الأطراف المتنازعة تسعى جاهدة للولوج إلى ما تريد عبر ثغرات متنوعة ومنها القانونية؛ وهذا ما تستفيد منه المنظمات الاستيطانية الصهيونية عبر إدعاء ملكية أراضي المواطنين الأصليين في الشيخ جراح. ويرفق الإدعاء مع قرارات ودعاوى تطال الأهالي وتختتم بتهجيرهم من منازلهم وهدمها بعد إنذارهم بالإخلاء.

كيف هو الوضع اليوم؟

وتواجه حالياً سبع عائلات من الحي، منفردة، قرارات من محكمة العدو بالإخلاء والتهجير تنتهي بين أيار وآب المقبلين. وترتكز القرارات على وثائق المستوطنين المزوّرة في وقت تعمل هذه العائلات ومحامييها جاهدة على إثبات ملكيتها للأرض والمنازل المشيّدة عليها.

أما في السؤال الجوهري: “لماذا حي الشيخ جراح؟”، فتظهر جغرافيا الحي أنه يشكّل رابطاً بين المستوطنات الصهيونية المحيطة بالقدس والقدس القديمة، كما وأنه يعتبر أبرز المعالم التي إذا ما هُوّدت، تُطبِق حكومة الكيان الخناق على القدس ويسهل بالتالي السيطرة على ما بقي من المواطنين الفلسطينيين العرب داخل أراضيها. وبالتالي، يعتبر صمود أهالي الشيخ جراح من صمود القدس، وثباتهم من ثبات قضيتها، ودعمهم ورفدهم بالوثائق التي تثبت ملكيتهم المحقة للأرض كرفد القدس بصك اثباتها عاصمة فلسطين الأبدية.

من هنا، تظهر مظلومية الشيخ جراح كنموذجٍ مصغّرٍ عن مظلومية شعبٍ كاملٍ هُجِّر من أرضه ومنزله وبستانه وحُرِم من مائه وهوائه وترابه، لا بل ويُسلب حقّه بالاستملاك على أي شبرٍ من بلده، فيما يتملّك المحتل الصهيوني زوراً وتسلُّطاً أينما يريد وكيفما يريد على أرضٍ اغتصبها شتات المستوطنين تحت رعايةٍ وحمايةٍ دولية وعربية، والأخيرة لأشدُّ قساوةً من الأولى.