تخيّلوا أنكم ترسمون بيتاً على ورقة باستخدام حبرٍ مائيّ، والورق الرقيق موضوع على طاولة خشبية، أثناء الرسم انتبهتم إلى الطاولة الخشبية وهي آخذة بالاتساخ جرّاء امتصاصها هي الأخرى للأحبار عبر الورقة: أنتم الآن في صدد الوصول إلى حلّ لكيفية منع الأحبار من توسيخ الطاولة، واحتمالات الحلول تبدو لامتناهية، يمكن التعديل في الأحبار، أو الورق، أو حتى في الطاولة، وغير ذلك، جلّ ما يمكنكم فعله هو اختيار حلّ واحد من الحلول البديلة، فتجربته، ثم تقييم جدواه في الخروج من المشكلة الأصلية. وعندما يتوصل القائمون بالاختبار إلى نجاحٍ ما في تحسين وضع المشكلة الأصلية، يطلقون على ذلك صفة “التقدّم”. أما بالنسبة لشخص آخر، فقد يكون انتقال الألوان إلى الخشبة نوعاً من الإبداع والكشف! ولا يعود يقبل وصفه بالتوسيخ؛ هذا احتمال بشريّ آخر يعيدنا إلى ما قبل نقطة الانطلاق الأصلية، لكم أن تتخيّلوا الاحتمالات الهائلة والمقلقة: ماذا لو كان هناك حلّ أفضل؟ ماذا لو أنتج الحل الذي تم اختياره مشكلة أكبر؟

تدور البشرية كلها في هذه الحلقة المفرغة من التردّد وانعدام اليقين بقطعيّة أي حلّ من الحلول التي تختارها، لأي أمر من الأمور التي تواجهها. ولهذا فإن المبرّرات\المخدّرات الفكريّة جاهزة لتغطية أيّ فعل من الأفعال التي حصلت أو التي يمكن أن تحصل وتجرّ معها الويلات إلى هذا العالم. يكفي أن نقبل بتساؤل وحيد على كافة مستويات الفكر: من قال أن ما تقوله اليوم سيكون صحيحاً غداً؟ ومن أفهمك بأن هناك ثوابت في الحكم على الأمور؟ كل شيء نسبيّ ولا بديل يمكن اقتراحه سيكون خالياً من احتمال إنتاج بديل أسوأ من الذي حصل. وهكذا يصبح كل فعلٍ قابلاً للاستيعاب والتبرير، ومنها فعل الاحتلال الذي تحاول الذات الصهيونيّة إيجاد حلّ ذرائعيّ له عبر إعادة إنتاج عالمٍ يراها غير مجرمة، فلا يمكن للصهيونيّة أن تبرّر ذاتها إلّا في معرض انتمائها للحداثة.

اختار الصهيونيّ الترويج لتفوّقه العالميّ عبر تقديم نفسه كمجتمع رائد طبق معايير الحداثة، والحداثة اختراع إنسانيّ قائمٌ على أصالة التجربة والخطأ، ثم التجربة بشكل مختلف لمحاولة الالتفاف على الوقوع في الخطأ المعلوم من خلال التجارب السابقة – حصراً، بما يعيد إنتاج التجربة بشكل جديد ولكن – لا شيء آخر ثابت يمكن الاستناد إليه، لا قيم ولا أخلاق ولا إله ولا حتى فكرة- لا يمكن لهذا الشكل الجديد أن يعطينا أدنى فكرة عن صلاحيّته وصوابيّته في إطار أشمل من التجارب السابقة، فهو لا يعدو عن كونه محاولة لتصحيح خطأ ظهر ضمن سلالة التجارب، وشكلٌ آخر من أشكال التطوّر التي لا يمكن الحكم عليها! فلا معيار في الحكم خارج التجربة!

نجح الصهيونيّ من خلال السياسة، والإعلام، والانتصار العسكري، والعمل الدبلوماسي، وتقديم الخدمات للمستعمِر، في جعل العالم ينسى أن المشكلة الأصلية ليست تلك النقطة حين رفض فيها الفلسطينيون والعرب والمسلمون نشوء دولة لليهود على أرض فلسطين، وفرض تعريف المشكلة للعالم على أنّها مشكلة حقوق سياسية واجتماعية! واستمرّ في تقديم نفسه على أنه “العنصر الحداثويّ النموذجيّ” الذي لا بد من وجوده في حال أراد “عالم الرجل الأبيض” التمكّن من تطويع العالم العربيّ، منعاً لنهضة لا تكون في صالح “الحضاريين”، وصوّر الصهاينة أنفسهم على أنهم تلك القلّة المظلومة التي على رغم ما عانته على يد النازية، فإنها تطوّعت في سبيل القيام بهذه “الوظيفة  الوسخة” المتمثلة بالرقابة على جزء متأخر من العالم، والذي يمكن أن ينتج من داخله خطر كبير ما لم يكن تحت السيطرة، وعبّروا عن إرادتهم في تقديم نموذج “حضاريّ داخل غابة الرجعيّة”، وكل ذلك بالنيابة عن “العالم المتحضّر”.

أمِل المستعمِر عبر زرع هذه الغدّة في فلسطين، من جعل سرطان الصهيونيّة يتفشى في محيطه، بحيث تنشأ كيانات مشابهة له في الارتباط الوجودي مع الحداثة، ولم يفارق هذا المشروع رؤية الغرب للكيان ولا رؤية “المستغرَبين” – في العالم العربي والإسلامي وفي فلسطين ذاتها – لأنفسهم وللبلاد التي وُظّفوا حكّاماً عليها في سبيل تطويعها. وليس خفيّاً عنكم محاولات غُددٍ حداثويّة أخرى صناعة كيانات صهيونية – وإن اختلفت تسميات إعادة إنتاجها في المنطقة – أذكر منها اليمين اللبنانيّ في ثلاثينيات القرن العشرين والذي شكّل قريناً موضوعياً للحركة الصهيونيّة المؤسِسة. كان تفشي هذا السرطان سيؤدي لنشوء انتماءات مصغّرة إلى أقصى حد ممكن! بحيث لا يمكن لأيّ انتماء صغير أن يتمدّد سوى عبر الخوف من أي شيء أكبر منه! هذا التفكير الذي ينتِج الرغبة في تحالف الخائفين مع بعض، تحت رعاية أخ كبير أكثر عراقة في التحضّر، وهو “غربيّ” بطبيعة الحال.

عندما تصور المستعمر لنا هكذا مستقبل، أراد ألا تبقى لدينا أهميّة لتاريخ موحّد، ولا للغةٍ موحّدة، ولا لأخلاق موحّدة، ولا لشيء موحّد؛ سوى الخوف، وعلاج الخوف في قاموس الحداثة هو القوّة! القوةّ المحضة! أما كل ما سلف ذكره فهو من نافلةِ الحديث، وهو أشبهُ “بجعبة المعدّات” التي تستخدمها تلك الأقليّات المصطنعة من أجل ضمان حقوق تمايزها الأبديّ عن بعضها، والإبقاء على تلك الفروقات قائمةً بما يضمن زوال أي أمل بالتقريب والتحالف على أسُسٍ أخلاقية وقِيَميّة وإنسانيّة. هذا هو الأمل الوحيد لضمان سيادة المستعمِرِ على بلادنا، وهذا الأمر لا يتحقق سوى بتقديم المستعمِر لنموذج حداثويّ جذّاب يجعل كل من يرغب في “التطور” و”التقدم” طامحاً للتحالف معه، فيما يقوم النموذج – الصهيونيّ في حالتنا – بمنع أيّة محاولة مستقلة للنهوض خارج سياق الانصهار به وبمن يمثّل، ولو بالقوة؛ ففي النهاية، لا بد من استخدام السوط أثناء الترويض! وهنا أترك لكم حكمة الانتباه إلى الجماعات والدول التي تصالحت مع النموذج الصهيونيّ والتي ترى في المستعمِر الغربيّ صورة الإله/المشيئة، وفي التحالف معه والانصياع له الخيار الوحيد “للتقدّم”.

إن الأمل الوحيد المتبقي للصهيونية يكمن في نجاح تحالف ثلاثيّ بين الغرب المستعمِر، والصهيوني المحتلّ، والعربيّ المستغرَب*، من أجل إنتاج “عنصر فلسطينيّ جديد” مستعدٍ لتقديم كل التنازلات الثقافية والسياسية اللازمة، مقابل رفاه فرديّ بسيط وشكل دولة. ربما يخبركم شباب فلسطين الذي يعمل مع المنظمات غير-الحكومية في الداخل عن حقيقة نظرة الغربيّ إلى نفسه، وما إذا استطاع النظام العالميّ الذي صنعه من أجل ضمان رفاه الغرب أن يحقق له شيئاً من السعادة. كذلك فإن الدعوة لنوع من المقاومات اللاعنفيّة كبديل عن المقاومة المسلّحة، لا يريد منها الغربيّ سوى المزيد من انغماس الفلسطينيّ في السلوكيات الاستهلاكية والاتصال بالاقتصاد الصهيونيّ، إذ إن النجاحات التي حققتها هذه المقاربة لا تعدو كونها انتصارات رمزية، يسعد الصهيونيّ في تقديمها للفلسطينيين الجدد، مقابل نبذهم للعنف ضده؛ ذات مرة، نقل لي صديق بأن مجموعة مقاطعة لاعنفيّة في رام الله استشاطت غيظاً من المبالغة في إحراق العجلات المطاطية أثناء هبة 2015! الأجل هذا النوع من الذات نريد بيع حقّنا في فلسطين؟

إن كل الأحلام الاستعمارية التي لم تستطع الصمود – كما اشتهى الرجل الأبيض قبل مئة عام – في وجه مقاومة الشعوب الأصيلة. وكل محاولات الذات الصهيونية (التي هي أصفى مظاهر الذات الحداثوية المرتعبة والقلقة) تنتهي اليوم إلى حقيقة واضحة: إنّ سُنَنَ الحقّ لا يمكن تحدّيها على المدى الطويل. هل يمكنهم أن يمنعوا أهل الأرض من زرع قراهم والبقاء فيها؟ أو يمنعوهم من التكاثر وتحقيق التفوق العددي؟ أو أن يرفضوا التعامل والتطبيع مع المحتل؟ نعم يمكنهم فرض أجندات سياسية واقتصادية، وحكام وسلام رسميّ، لكن هذه الممارسات الصورية تحتاج إلى فلسطينيّ يختار الانصياع لها حتى تصبح فعّالة، ولهذا نشهد اليوم ذلك السعي الدؤوب لتصنيع ذلك الفلسطينيّ المنقاد للرفاهية، والهارب من الأعمال المجهِدة الزراعية والحرفيّة، والطامح للتمركز في المُدُن، وتحقيق مدخول ماديّ يضعه في المصارف التي تعطيه في مقابل ذلك قروضاً إلهائية\تخديرية، تنمّي شهوات الاستهلاك القاتلة. إن مسار صناعة هذا الفلسطينيّ الهزيل آخذٌ في التمدد، ويتم منحه “انتصارات دونكيخوتيّة هائلة” – وقبل انتصاراته – يتم منحه معارك يخوضها لكي يخرج منها أمام الشعب في حلّة المنتصر، مكتسباً المزيد من الثقة بنفسه.

كيف يمكن لمفكّر أو مؤثّر أن يبقى مقاوماً؟ بعدما انسحب من بيوت الناس والشوارع والذاكرة، إلى المقاهي والمكاتب وإلى المواقع المجازيّة؟ كيف يمكن لمن يعاشر هؤلاء النشطاء الغربيين المترفين – ويعتاد نمط عيشهم – أن يقاوم؟ ألا يشعر بذلك الكمّ من التخدير الذي ينشأ عن معاقرة هكذا نمط عيش؟ إن الوافدين إلى فلسطين من الغرب – أكانوا مع الشعب الفلسطينيّ أم على الحياد- لم يأتوا لنصرة قضيّته، بل لنصرة قضاياهم هم، وقضاياهم صغيرة، بسيطة، قضايا مجتمعات الرجل الأبيض الذي بنى رفاه بلاده على ويلات بلادنا. هؤلاء يأتون لنصرة قضايا أنتجتها أمراض تاريخهم، ومنها مرض الصهيونيةّ. إن أسوأ أنواع المتعاطفين الوافدين على أهلنا الصامدين في أرض فلسطين، هو الذي يعتقد بأنك لا تستطيع فعل أي شيء بالشكل الصحيح، ما لم يأتِ هو بنفسه ليشرف عليك، ويزوّدك بأفضل الممارسات والسياسات اللازمة للنجاح! إنه آت من أجل تغذية “الإله الصغير” الذي يسكن في داخله، والذي يجعله يرى نفسه سيد البشرية بحقّ. وها أنت أيها الفلسطينيّ تجد نفسك ما بين مستعمِر من النوع الذي يريد احتلالك وكسر ذاتك بالنار، وبين مستعمِر من النوع الذي يريد تغيير ذاتك لكي تعترف به على أنه الخلاص الوحيد! وأنت في هذه اللعبة أشبه بالكرة بين فريقين لا يختلفان في الفكر عن بعضهما في شيء.

كل من أتى على متن سُفُن الغرب لا يختلف عن بعضه إلا باختيار الأداة التي يريد من خلالها السيطرة؛ كل من أتى يريد صناعة مفكّرين ونشطاء ومقاومين توّاقين إلى نفس نمط العيش والتطلعات الاجتماعية والسياسية الذي يحلم بها الصهاينة؛ يريد توحيد الأحلام بالاستسلام والرّخاء والترف والترفيه والفساد؛ عندها تنهار آخر الفروقات ولا يبقى شيء للدفاع عنه. لهذا فإن أكبر تهديد يواجهه الصهاينة ومعهم المستغرَبون* هو تلك الأصوات والشفرات والسيارات والسكاكين التي تعيد رسم صورة العدو الحقيقية، وتعيد الفلسطينيّ إلى تبنّي ذكرياته الأصيلة الصافية غير المشوّهة بأوهام الاستسلام. لذلك كان على الأبطال – أمثال باسل – أن يُقتلوا! إن داخلاً فلسطينياً مكبّل السّلاح والمال ليس ضعيفاً! بل إنه في أبهى رونقه عندما يقاتل! ويشير بدمائه المعصومة إلى الوجه الحقيقي للصهاينة وكلّ من يطمح لإعادة إنتاج “الذات الفلسطينية” على الطراز الغربيّ!

كم ثورةً، كم مفكّراً ثابتاً، ومثقفاً شهيداً، وقائداً مبهِراً سنحتاج، حتى نقتنع بأن السلاح مجرد وسيلة، وأن مصادرته لا تعني نهاية الصراع. للصامدين في أرضهم أن يلعبوا دورهم الذي لا يمكن لأحد آخر لعبه، لأن الصهيونيّ يدرك بأن إعادة تشكيل الصامدين في أرض فلسطين من أجل قبول شكل من أشكال السلام التي يقترحها بالقوة، هو الحلّ المتبقّي لصدّ التوثّب المتصاعد لدى الشعب الفلسطينيّ أينما كان، ومعه أحرار العالم الآملين والعاملين من أجل التحرير.

إن أمل التحرير متعلّق بكم أنتم الصامدون، وعلى نجاحكم في أداء دوركم الفريد: تيئيس الصهاينة والعالم الغربيّ من إمكانية الاستسلام، أو القبول بنبذ خيار المقاومة بكافة أشكالها الممكنة؛ لا البارحة، ولا اليوم، وحتماً ليس في الغد. اجعلوا الصهاينة يبتعدوا عنكم وينكفئوا إلى مدنهم، عاملوهم بفوقيّة واحتقار صاحب الحق للظالم، ازرعوا الهزيمة في وعيِهِم، حاصروهم برفضكم لأي مصالحة معهم. واتركوا الباقي على السّنن الإلهية التي تسير بالصهاينة نحو الزوال، قولوا لهم بعينين قادحتين وفم مطمئن: إسرائيل سقطت. إنها فقط مسألة وقت.

*المستغربون: الحالات البشرية المصابة بعدوى التوق للاندماج في الغرب وتبنّي ثقافته وسلوكياته الاجتماعية، وهي حالات عادة ما تكون منفصلة نفسياً عن بيئتها الأم، وبعضها يتحول إلى حالة من الازدراء الذاتيّ.


باقر كركي| متخصص في فنون الاتصال والإعلام الجديد